ثقافة وفن

سحر الماضي الدمشقي يسمو على ألوان الحاضر … انطباعات «صادق فرعون» الشخصيّة في مجتمع الشام بين الأمس واليوم

| عامر فؤاد عامر

«أعترفُ أن الإنسان متى تقدّم به العمر يميل إلى تذكّر ماضيه وخصوصاً أيّام طفولته.. ولكن ما يزيد هذا الهوس لتذكر الماضي والعيش فيه هو التباين الكبير بين الصورتين وبين العهدين. أستميحكم عذراً إذا حاولت أن أطير بكم ومعكم إلى الأيّام الخوالي، والتي انقضى عليها ما يقرب من ثمانيّة عقود لتروا بأنفسكم الفوارق الكبيرة بين هاتين الصورتين والعهدين». كانت هذه مقدّمة المحاضرة التي ألقاها د. «صادق فرعون» في مجمع اللغة العربيّة، والتي تحدّث فيها عن مقارناتٍ بين الماضي والحاضر فيما يخصّ المجتمع الشامي.

جغرافية خاصّة
في المحاضرة وصفٌ دقيق لجغرافية الشام كمدينة، تحيط بها الغوطة من كلّ الاتجاهات بأشجارها الوارفة والنباتات الخضراء وعطر الأزاهير. كما تحدّث د. «صادق فرعون» عن نهر بردى فيقول: «كان في دمشق الشام نهرٌ اسمه «بردى» يتفرع في الهامة إلى سبعة فروع يهدر الماء فيها كلِها ويتدفّق مسرعاً ليروي ويسقي كلّ قرى الشام المحيطة بها، غرباً حتى داريا وشرقاً حتى بحيرة «العتيبة» وجنوباً حتى الميدان وما بعده». كما أشار إلى طقوس السيران الدمشقي الذي ارتبط بصورة مباشرة مع نهر بردى فنُسجت الذكريات وتغلغلت في ذاكرة أبناء الشام في العلاقة بين هذا النهر وعادة السيران.

وحدة العمارة
يشرح في المحاضرة أيضاً عن عمارة البيت الشامي ووحدة الشكل بين البيوت كلّها: «كان البيت في تلك الأيّام يتألّف من طابقين: أرضي وأوّل، وكان يشكّل وحدةً تامّة مستقلة، وعالَماً مستقلاّ ومكتملاّ بذاته. يتألّف الباب الخارجي «الخوخة» من باب خشبي كبير يتوسّطه باب أصغر عليه «سقّاطة» نحاسيّة يستعملها القادم ليُسمِع من بالداخل أن هناك أحداً على الباب. يدخل القادم من ذلك الباب الصغير إلى ردهة صغيرة توصلك إلى باحة وسيعة تدعى «أرض الديار» تتوسطها بحرة حجريّة أو رخاميّة، حسب وضع العائلة الاقتصادي، ينبجس الماء من «سبعٍ» في أوسطها. إنه ماء نهر «القنوات» أحد فروع بردى السبعة.

الحبّ والأسرة
تطرق في هذا الوصف أيضاً للأسرة الشاميّة، ومكوناتها، وكيف كانت تعيش، وحول ذلك نقتطف: «… تتألف عادةً من الجدّ والجدّة ومن البنات، والأولاد، والأحفاد: ثلاثةُ أجيالٍ تعيش في جوٍّ من المحبّة والحنان والتفاهم والتعاون الذي لا يمكن أن يُدرك سحرَه وجماله إلا من عاش فيه. كان الحبّ يُضفي على ذلك البيت السحريّ جوّاً من السعادة والطمأنينة والمحبّة والتوادّ والأمان لا يمكن لمن عاشه أن ينساه طوال حياته ولا يمكن أن يدرك سحره من فاته وحُرم منه…. ».

ذكرى
يذكر أيضاً من الذكريات العائليّة الخاصّة: «أذكر على سبيل المثال أن جانباً من البيت كان محروقاً إثر قصف المستعمر الفرنسي للشام، وكانت تتراكم فيه الأحجار والعواميد الخشبيّة. رجونا جدّنا أن يأتي لنا بدجاجٍ نربيه في تلك القاعة المتهدّمة والتي كانت تُدعى «الحريقة» فسارع إلى خالنا طالباً منه أن يأتي لنا بعدد منها فما كان إلا أن فعل: أتى بديكٍ وأربع دجاجات. صار أكبر همّنا هو إطعامها واللعب معها ومطاردتها، والتفتيش بين الحجارة عن بيوضٍ تكون قد باضتها وخبّأتها بينها. ما إن نجدها حتى نسارع لالتقاطها وأخذها للجدّة المُحبّة لتقوم بقليها وجلبها لنا لنستمتع بطعمها الطيّب وسط نقيق الدّجاجات الحزينة والناقمة على فقد بيوضها…».

تشابه وتراحم
تشابهت أجواء المدارس مع أجواء البيوت، فقد بيّن د. «صادق فرعون» أنها كالبيت الكبير فيه العديد من الآباء والأعمام والأخوال، ويضيف: « كنّا نحبّ أساتذتنا وكانوا يبادلوننا المحبّة والاهتمام (المدير الأستاذ شريف آقبيق، الأستاذ حنين السبع، الأستاذ الرفاعي..).
الحارة والعائلات

ينتقل في وصفه إلى الحارة الشاميّة وفيها يقول: «… تؤوي العديد من البيوت والعائلات المُتحابّة والمتآلفة لتشكّل أيضاً عائلةً وخليّة واحدة أكبر من سالفتها (بيت جبّري، بيت المنيّر، بيت الدكتور كيّال..).. وهكذا كانت تكبر تلك العائلات والخلايا البشريّة الحنونة، فالحارات تتعانق لتشكّل الأحياء وهكذا… أي لقد كانت «الشام» عائلة كبيرة واحدة يخيم عليها كلّها الحبّ والتسامح والتراحم والتآزر. أعترف لكم أنني الآن أعيش تلك الحقبة الزمنيّة الساحرة وأتحدّث مع تلك المخلوقات الحبيبة والمُحبّة وأشعر بالدفء ذاته والأمن ذاته والإلفة والرفقة ذاتها».

ماديّة العصر الراهن
يتجدد مسار المحاضرة بالعودة إلى الواقع الحالي ومقارنة الماضي الجميل فيه، وبوصفٍ صادق لمجرى الحياة الماديّة التي تسيطر على الإنسان اليوم فيرهق حياته بلهاثه وراء المال والأرقام والحسابات البنكيّة والتفكير بما كسبه في نهاية اليوم، وبذلك نسي هذ الإنسان جمال الحياة والعيش الهنيء الذي كان يتمتع به في الماضي، وبعد مقارنة طويلة من الوصف يطرح محاضرنا تعجبه من خلال: «قد يقول البعض إن كلّ إنسانٍ حرٌ في اختيار الطريق الذي يسلكه في هذه الحياة! لكن الأمر ليس كذلك لو أنه لم تتله ولم تنجم عنه أضرار وأخطار تحيق بكل المجتمع. لو أن هذا الفساد اقتصر على عدد محدود من الناس لخفّت المصيبة ولكن هؤلاء المفسدين أفسدوا ويفسدون كل من حولهم ما أدى ويؤدي لاشتمال المجتمع كلّه على الفساد وكذلك ليتجاوز الفساد حدود كل بلد ولينتشر في العالم كله. لاشك أن من يقود هذا الفساد البشري هو «العالم الجديد» – الولايات المتحدة الأميركية – التي يحكمها ويسيطر عليها وبالتالي على العالم أجمع، ثلة من أصحاب المليارات، من يهود ومتهودين، يتلخص قانونهم ومبدؤهم في الحياة بالكلمات القليلة العدد ولكن الكبيرة الدلالة: «أنت تملك دولاراً إذاً أنت تسوى دولاراً». وهذا يعني أن الإنسان بحد ذاته لا قيمة له، وأنها فقط الدولارات التي يملكها هي التي تمنحه القيمة! أين هذا من مبدأ جدّ مختلف وعظيم الدلالة حين قال السيد المسيح: « ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» وخبز المسيح هو رمز للدرهم وللدولار!».

مقارنات كثيرة
أجرى د. «صادق فرعون» في سياق محاضرته هذه مقارنات كثيرة منها في الطبّ وكيف كان الطبيب يكرس وقته لخدمة مرضاه من دون الاهتمام بالمال وانقلاب القاعدة اليوم لتكون اهتماماً بالمال فقط من دون خدمة الإنسان، وما ينطبق على الطبّ والأطباء ينطبق على كلّ المهن الأخرى، والتي يمكن ومن دون صعوبة معرفة طريقة تصرّف وعمل كلّ فرد منها حسب نسبة وسرعة تضخم حساباته المصرفيّة حتى لو كان على حساب المصلحة العامة وسلامة المجتمع. وصولاً إلى جمود الناس وتعلقهم بالماديّة فأصبحت التحية لها ثمنها واللطف بغاية والابتسامة بهدف. ويقول أيضاً: «… يندر في أيّامنا هذه أن يزور جارٌ جاره وإن يعوده إن مرض..». ويتابع: «… قلّما يلعب الأطفال مع جيرانهم من أطفال هذه الأيّام، فهناك جدران غير مرئيّة تفصل كلّ بيت عن الآخر، وتفصل بعض أجزاء الأسرة عن بعضها البعض». وأيضاً من المقارنات التي وصلنا إليها اليوم: «.. متى تزوج الشاب فغالباً ما تتقلص علاقاته مع والديه وذلك حسبما تكون مشاعر الزوجة الجديدة منهما فهذه المشاعر تعلو أو تهبط بحسب الفوائد الماديّة المجنيّة منهما لا أكثر ولا أقل… ».

سؤال وإجابة
ختم د. «فرعون» محاضرته باستشهاده في مقطع من روايةHow green was my valley! والتي تتحدث عن ضياع البيئة النقيّة لمقاطعة ويلز وتفكك روابط شعبها نتيجة لهجوم الماديّة على البشر هناك. ومنه يتساءل: «هل هناك أمل في أن تعود الغوطة إلى خضارها الساحر القديم وأن يعود إنسانها إنساناً حيّاً أصيلاً مفعماً بالحبّ والطيبة والحنان بعدما أماتت روحه الطيبة أمراض العصر الحديث؟؟». ويتابع استطراداً على السؤال نفسه بإجابة تحمل الأمل: «كلّ شيء ممكن على هذه الأرض عندما تعود قلوب البشر وعواطفهم إلى طبيعتها البشريّة النقيّة. لكي تتحقق مثل هذه الأمنية الرائعة علينا جميعا أن نُعيد بناء مجتمعنا على المحبّة والتآخي والتسامح ونبذ كلّ أشكال الحسد والتنافر والتناحر… أي علينا جميعا أن ننقي نفوسنا جميعا من تلك الجرثومة الخطيرة والقاتلة الآتية من الغرب المادي الذي لا يؤمن ولا يأبه بأي مُثلٍ أخلاقية وإنسانية والتي تسيطر عليه المادية النتنة». أيضاً في نهابة محاضرته ذكر د. «صادق فرعون» عن سبب اختياره مهنة الطبّ عائداً بنا إلى صورٍ في ذاكرته، فقد كان متعلقاً بجدّه الحكيم ويراقب تصرفاته مع مرضاه وكيف يساعدهم، وكيف ينفعل مع الجريح، وكيف يضمد له جرحه، وعن علاقة هذا الجدّ الحكيم مع عائلات كثيرة من دمشق وضواحيها، وغيرها من المشاهد الإنسانيّة التي جعلته أكثر رغبة في اتخاذ القرار ليكون طبيباً كجدّه فكان مثله وقدوته إلى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن