الأولى

تركيا ومحور المقاومة

| بيروت – محمد عبيد 

لاشك أن البراغماتية، ولو بنسبٍ متفاوتة، طبعت مواقف بعض الأطراف الإقليمية والدولية من مشروع الانقلاب في تركيا وخصوصاً منها إيران وسورية والعراق وروسيا.. فإيران منذ بداية الأزمات في كل من العراق وسورية تحديداً اعتمدت مع تركيا سياسة إدارة الخلاف وفق آليات قائمة على المواءمة بين القتال والصمود على خطوط المواجهة المباشرة مع المنظمات الإرهابية التكفيرية (جبهة النصرة وجيش الفتح مثلاً) التي ترعاها وتدعمها المخابرات التركية بشكل مباشر وشبه علني، وبين إبقاء قنوات التواصل السياسي مفتوحة، كذلك الحفاظ على الوتيرة التصاعدية للتبادل الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
تعتقد إيران أن الخيارات على مستوى صياغة علاقات ندية يحكمها الحوار والتعاون مع دول منطقة الشرق الأوسط تضيق أكثر فأكثر، وكانت تأمل أن نجاحها في إنجاز الاتفاق حول المشروع النووي الإيراني مع المنظومة الدولية وإخضاع هذا المشروع لآليات الرقابة والتفتيش الأممية مع ما يعنيه ذلك من طمأنة لدول عربية وإسلامية إقليمية، سيفتح أبواب تعزيز العلاقات مع هذه الدول أمامها وسيمكنها من إقناع تلك الدول بتجاوز الهواجس والمخاوف التي أبدتها حيال المشروع المذكور بعد انكشافه وتصاعد التحذيرات الأميركية والإسرائيلية منه بشكل مقصود واستفزازي.
غير أن سقوط الأوهام الأميركية حول إمكانية الاستثمار على إيران إقليمياً من جهة ضمها إلى منظومة الحلفاء-الأتباع في المنطقة، دفع بأصحاب القرار في واشنطن إلى العمل على تعزيز العلاقات السعودية-الإسرائيلية وتظهيرها كمنظومة تحالف تخدم المصالح العربية في مواجهة المد الإيراني المفترض. وترافق ذلك مع مساعٍ سعودية دائمة لخنق الدور المصري عبر تطويقه ومنعه من ممارسة استقلاليته في صياغة علاقاته الإقليمية وأيضاً في مقاربة أزمات المنطقة وفي مقدمتها الأزمة في سورية ومحاصرته من خلال ابتزازه اقتصادياً وإبقاء الوعود بالدعم المالي معلقة تبعاً لانتظام مصر أو عدمه في المسار الإقليمي الذي يرسمه النظام السعودي.
كان من الطبيعي ومازال أن ترى إيران في الجار-اللدود تركيا أهون الشرور نظراً لحسابات تاريخية حكمت العلاقة بين البلدين، وحالياً فرضت نفسها اليوم على دول وقوى محور المقاومة بأكملها. فالخيارات الموضوعة أمام هذا المحور ليست بين نظام أردوغان الموصوف بمؤامراته وبشراكته المعروفة في إهدار الدم السوري والعراقي وبين مجموعة انقلابية من الجيش التركي تحمل لواء التمرد على توجهات هذا النظام الإقليمية والدولية، بل بين هذا النظام الموصوف والمعروف وبين مجموعة مجهولة قدمت نفسها منذ اللحظة الأولى على أنها ملتزمة بالتبعية ذاتها وبتأمين المصالح الأميركية نفسها التي دأب ذلك النظام على حفظها وتحقيقها..
من هذا المنطلق، تبدو القراءة الأولية الإيرانية-السورية وأيضاً العراقية لمشروع الانقلاب وردود فعل نظام أردوغان عليه استكمالاً لسياسة التمييز بين المصلحة في ترسيخ العلاقة مع تركيا كشعب وكمعطى إقليمي قائم وبين الموقف من النظام الذي يحكمها ويتحكم بقرارها، مع الاحتفاظ بمسافة موضوعية من التدخل في شؤونها الداخلية منعاً لتمكين النظام المذكور من التذرع بأي موقف يمكن أن يصدر عن دمشق أو طهران وخصوصاً بعد تصاعد السجال بين أنقرة وواشنطن حول قضية تسليم فتح اللـه غولن للسلطات التركية.
بعد سقوط نظام الشاه في إيران لم تفقد الولايات المتحدة الأميركية نظاماً حليفاً فحسب بل فقدت أيضاً جيشاً شكل مع الجيشين «الإسرائيلي» والتركي الفزاعة الأميركية لدول المنطقة. ومع انتصار المقاومة اللبنانية (حزب اللـه) ومن خلفها إيران وسورية على جيش العدو الإسرائيلي في العامين 2000 و2006 ما أدى إلى تعطيل مفاعيل قوة هذا الجيش كقوة تهديد لمحور المقاومة وهو ما اعتبر تحولاً إستراتيجياً في تحديد موازين القوى في المنطقة. واليوم وبعد التطورات الانقلابية والمضادة في تركيا مع ما رافقها ويرافقها من تغييرات في بنية النظام السياسي والاجتماعي تُلغي خصوصية دور الجيش التركي في الدولة والمؤسسات والقرار السياسي، يبدو أن هذا الجيش الذي شكل لعقود طويلة رأس الحربة المتقدم للحلف الأطلسي «الناتو» سيدخل في حالة غيبوبة إستراتيجية تُعطل مفاعيل رهبته وأدواره التخويفية التي لطالما لوحت بها واشنطن لترهيب أعدائها وحلفائها الأقربين أيضاً.
وبانتظار اتضاح المشهد الداخلي التركي ورسوه على معادلة ما، تحدد الأحجام السياسية للقوى كافة وتوزع نسب الخسارة فيما بينها، تبدو زيارة أردوغان إلى موسكو أوائل الشهر المقبل محطة أساسية على طريق استكمال الاستدارة البطيئة للنظام التركي أو ما تبقى منه أو الانتقال إلى التموضع بسرعة أكبر تدفعه للانكفاء إلى الداخل والتخفيف التدريجي لتورطاته الإقليمية الدموية.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن