ثقافة وفن

اروِ عطش العابد

إسماعيل مروة

 

كلما نازعتني نفسي للتوقف عن الحديث عنك خوف المبالغة والسأم وإعادة ما قيل، أجدني مشدوداً إليك كما لم أكن! أحسّ أن شوقي إليك أكثر، وأن حبي المنزرع في الخبايا أكبر من أن أقدر على احتوائه أيتها الخالدة ما بقي إنسان وحجر! أيتها الشام الباقية في ذاكرة زمن، وفي وجدان ألوهة متفردة في عليائها… اسمك يلتصق بي كلما أمعنت في الحديث عنك، كلك يلتصق بي أكثر وأتحول إلى نقطة تتفصد عنها مساماتك يا شام.. مذهلة أنت، كلما عدت إلى خاطري، وكلما تغادرين الخاطر أتخيل كرمك، نقاءك، طهرك، بقاءك، صدقك الذي لا مثيل له، فأنطمر في غرتك القادمة من قاسيون، أغسل جسدك المقدس وطرقاتك بالنبيذ المعتق كدمي، أجمع دمي نبيذي المتعطر بكلك يا شام، أسكبه في خابية مصنوعة من خشبك، من غوطتك، لأتركه عشرة آلاف عام، كلما رقبته أسكر نشوة صوفية عندما تلوح مئذنة عروسك، وحين تبدو غرة قلعتك، وحين تفور موهبة الفارابي في شاغورك!
تلالك، هضابك، مغاورك، أزقتك الخلفية التي لم يقرأ تفاصيلها سوى عابد قتله الوله، كل ما فيك يا شام شامة، حمص شامتك، حماة، حلب، جزيرتك، ساحلك، بحرك، أقرعك، سنجارك، زاويتك، حورانك، كلها مع جولانك شاماتك التي تزين جسدك المقدس، تتنفس شامتك كما تفعلين، ترقب الغد القادم، تبقى شام، وتكبر الشامات بك أيتها المقدسة إلى حدود المدى…
أروِ عطش العابد
انتعشت روحه قبل قلبه
منحته اسمك، جدت عليه بما بخلت على الآخرين
سعدت به، قبلت صلاته وهو يستقبل هواءك، نسماتك
وهل بعد هذا كلام يا شام؟
يرقبك… يحرسك… يدعو لذاته لا لك
شام تدعو للخلق، تحمي العابدين، تكشف لهم طرقاتها، تمنحهم ثوب الصوفية الأبيض النقي الذي لا تشوبه شائبة، وتخفي عابدها تحت تنورة الصوفي، ويلتحم بالروح،
بالجسد، بالقلب..
يتجمع العابد على ذاته يتنشق هواءك ونقاءك
ينتظر ترتيلتك كل صباح من وجدك مع ترنيمات فيروز
فيروز تصدح
تتسلل في الحنايا
شام يا ذا السيف
شآم أهلوك أحبابي
ألحقوا الدنيا ببستان هشام
وصوت شام يردد أدعية الحفظ لعابد لا يعرف سوى أرضها سجادة صلاة لوجه عابد تعطر بمائها، رشف ماءها، تعمَّد بمائها من مائها صنع زيته ليرسم صليب روحه، ولا يترك كنيسة في الشارع المستقيم لا يولي وجهه إليها.
فثمّ وجه الله
شآم قبلة الله في أعمارنا
وله ما بعده وله
أسعدي
طيري
اخرجي من دمارك ودمارنا نحن
غداً تشرق شمس شام
لابد أن تشرق شمسها، يذوب ثلجها، ومن ماء جرودها يتوضأ العابد، لينطمر وجهاً وجسداً في سجادة صلاة هي شام.
أرشفي حرفه المتعب، أعيدي الحبر إلى قلمه، الدم إلى قلبه، الحسّ إلى روحه هناك.. هنا.. في كل زاوية سيفتديك العابد
اقرعي أجراسك، رددي نداءك
والعاشق يصدح بك:
«يا من بحسنك أوجعت الأزاميلا».
يا شام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن