ثقافة وفن

تطهير ثقافي لمهد الحضارات…داعش ليست المجرم الوحيد في نهب الآثار وتدميرها

إعداد: مها محفوض محمد

آلاف السنين من تاريخ سورية والعراق تمحى صفحاتها بيد همجية جاءت لتدمر ما تكتنزه هذه المنطقة من تراث وطمس هويتها ودفن حضارة قدمت للبشرية الأبجدية الأولى.
الحضارة التي أنتجت الكتابة وأولى المكتبات وأول تشريع قانون وفن العمارة المدهش وأول تحديد لشهور السنة الاثني عشر وغيره الكثير… فماذا سيبقى من قلب العالم الذي صنع الأسطورة البابلية وشيد برجها الذي يعانق السماء في زمن تهاجم فيه مواقع الآثار بالآليات وتدمر تدميراً ممنهجاً؟
هذا ما نشهده اليوم في مواقع سورية الأثرية منذ اندلاع الحرب فيها كما شهدناه في العراق منذ الغزو الأميركي عليه عام 2003 ولا يزال وسط فوضى وخراب تشهده المدن العراقية منذ أن بدؤوا بوضع قاعدة أميركية على أنقاض بابل ليبدأ بعدها نهب متحف بغداد وغيره من المواقع الأثرية على أعلى مستوى، اليوم تحطم الآثار بالمطارق اليدوية والآلية في متحف الموصل وفي شمال سورية حيث جرفت آليات البلدوزر مواقع نمرود ونيفين آخر عاصمة للآشوريين وتماثيل آشورية أخرى تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد.

إن تدمير الكنوز الأثرية في سورية والعراق هو شهادة جديدة على حرب شاملة تشن على المنطقة وعلى ثقافتها وتظهر درجة التهديد الذي يضغط على تراث الإنسانية فهي حرب لإفراغ مهد الحضارات من ثقافتها أي هي حركة «تطهير ثقافي» لحضارة هذا الشرق وذاكرته وهويته، وبحسب تقارير الأمم المتحدة فقد تم تدمير أكثر من مئة موقع أثري شمال سورية وعشرات المواقع جنوبها ووسطها مع أنه من الصعب الآن جرد أو تقييم وضع الأماكن الأثرية والتي تبلغ حوالى 15 ألف موقع أثري على امتداد سورية وبلاد الرافدين حيث بدأ هذا النزف للتراث منذ العام 2003 وامتد بشكل مرعب ليشمل مناطق بعيدة حتى في عمق الصحراء لم تسلم من همجية هؤلاء البرابرة.
تقول صحيفة لوموند التي تتناول كثيراً هذا الموضوع: إن الطريقة الوحشية التي تنقب بها داعش عن هذه الآثار تغذي تهريباً وبيعاً محظوراً لهذه التحف في السوق السوداء وتفوض بعض شبكات المافيا المنظمة إلى هؤلاء السارقين طلبات بالقطع الواضحة من البرونز والذهب والنحاس التي يستدل عليها بكواشف خاصة بالمعادن، حيث كان يتم طمر هذه القطع النفيسة من حلي وأوان فضية وذهبية وسلاح كما كان يحصل في مصر واليونان القديمة إذ كان الناس في ذلك الزمن يعتقدون أنهم يدخرون ما لديهم للحياة الآخرة.
إن صور الأقمار الصناعية ترينا بوضوح كيف تبدو المواقع بعد عمليات النهب مخروقة بالحفر كثقوب في مصفاة، أما القطع المسروقة فيتم إخفاؤها في سراديب تحت الأرض ريثما يتم إخراجها إلى السوق السوداء، والتماثيل الضخمة يتم تقطيعها ليسهل نقلها فهذا التهريب الذي كان محظوراً هو الآن مورد رئيسي لداعش مع البترول، هؤلاء الذين يعيثون فساداً ما بين الرقة والموصل ينتشرون على أنقاض آثار نيفين مركز الإمبراطورية الآشورية حين كانت في أوج سلطتها وتمتد من محيط البحر الأبيض المتوسط إلى إيران حالياً وكانت في معظمها من المسيحيين ثم عاصمة للمسلمين الذين تعاقبوا على المنطقة والموصل التي كانت تحمل بصمات عددية من هذه الحضارة، محاها هؤلاء المجرمون الذين تدفعهم الوهابية المنتشرة من المغرب إلى أندونيسيا بفضل الدعم اللامحدود من النظام الملكي السعودي- والحديث دوماً لصحيفة لوموند- وتتابع:
يعتبر هؤلاء أن كل مسجد مبني حول ضريح هو مكان لا يصلح للتقوى إنما لعبادة الأوثان يجب هدمه كما دمروا جميع المقدسات المسيحية هناك، وقد طال الاجتثاث الثقافي أماكن المعرفة في الموصل كالجامعة والمكتبة الوطنية حيث تم تجميع آلاف الكتب وحرقها كما فرضوا تدريس علوم الشريعة الوهابية وأزالوا المباني التي كانت تدرس فيها علوم الفلسفة والآثار، وفي موقع ماري السوري الذي نهب عام 2014 حين أراد أحد الحراس معرفة ماذا يحصل قطعوا رأسه، لكن داعش ليست المجرم الوحيد في اقتراف الجريمة بحق هذا الإرث الثقافي بل هناك من يقف وراءها في هذا التدمير وعلى مرأى الجميع.
باسكال بيرتيرلان مدير البعثة الأثرية الفرنسية لموقع ماري في سورية يتحدث أيضاً إلى مجلة لوبوان حول هذا الموضوع قائلاً: «يا لهول ما جرى لقد أرسلوا الإشارات إلى الشمال السوري منذ العام 2014 قبل تحطيم الآثار كما فعلوا في تمثال بوذا في أفغانستان حيث بدؤوا بالانتهاكات قبل تفجيره بالديناميت، وفي الحسكة حطموا التماثيل الآشورية بالمطارق الضخمة كما فعلوا في الحضر والموصل قبل تدمير التماثيل الضخمة.
أقول بأسى واحسرتاه لقد كان لدينا آلاف الآثار المفهرسة وما كنا نسميه مملكة بلاد الرافدين الغنية بكنوزها، اليوم أصبحت هذه المناطق الأفقر بعد فقدانها تلك الكنوز وهؤلاء بالطبع أشخاص غير مهنيين ينقبون بطريقة همجية، فعندما تشاهد صور الأقمار الصناعية لهذه المواقع ترى أماكن التدمير فيها وكأنها بقع جدري الماء على جسد مريض فكل مترين هناك حفرة عميقة وقطرها متران وهذا شيء محزن جداً، إنهم يهدمون أعمالاً استغرقت عشرات السنين لإنجازها وكم عملت علوم الآثار الحديثة على إحيائها بعد أن كانت منسية، فهناك تلال وروابٍ صنعتها براعة إنسان تلك المنطقة حيث ترى طبقات بشرية تشبه رقاقات الحلوى إنه ابتكار عجيب، هذا وكان العراقيون قد قاموا باكتشاف غير مسبوق قبيل العام 1990 لقبور ملكات آشوريات تزيّن بحلي فاخرة من العقيق الأحمر واللازورد والذهب، وبتعبير اكتشاف الآثار فإن ذلك يعادل مدفن توتان خاموت وبعدها توقف البحث لسنين عدة لتأتي داعش اليوم وتدمر المكان كله. لقد كان نهب متحف بغداد عام 2003 حدثاً مفصلياً ومعركة حقيقية في علم الآثار، واليوم ومع هجوم داعش على الآثار بهذه الطريقة فإن المنطقة أمام منعطف تاريخي.
وفي مدينة حلب فقد تم تدمير 60% من آثارها حيث استهدفت المدينة القديمة وحرق سوقها الذي يعتبر من أهم المواقع الأثرية ولا يشابه عملية تدمير هذا التراث سوى الذي حصل في يوغسلافيا السابقة حيث يحكى عن أكبر كارثة في التراث منذ الحرب العالمية الثانية.
أيضاً قلعة حلب التي هوجمت وحوصرت لأشهر كان يجري فيها تنقيب مهم جداً عن آثار البيزنطيين وإخراج معبد إله الإعصار ومعبد ضخم عليه نقوش الحثيين، ففي سورية كانت هناك ورشات عمل للتنقيب عن الآثار قبل الحرب لكن للأسف توقفت جميعها ودمرت مواقع كثيرة في حلب وإدلب وحمص وفي المنطقة الجنوبية.
وعن سؤال أن تهريب الآثار يمثل ثلث تمويل داعش يقول بيرتيرلان:
هذه تقديرات الأميركيين قبل الاستيلاء على الموصل وتدمير داعش للصروح التحتية التي من الصعب جداً تحريكها وبحسب رؤية داعش القبلية فإن مكان المسروقات ينتمي إلى القبيلة، لذلك فرضوا ضرائب على جميع المسروقات الأثرية وقيمتها 20% على كل قطعة كما فعلوا في ماري حيث قاموا هناك بحماية السارقين وفي مواقع أخرى تقاتلوا وتذابحوا في حين لا يظهر الجانب الآخر من حركتهم في بيع هذه القطع، وأعتقد أنه وبالنظر إلى الحفر الموجودة فقد يتم تخزينها لسنوات طويلة وقد تعود للظهور خلال ثلاثين عاماً قادمة وهناك سوق خاصة للقطع المنهوبة والطلب عليها كثير حيث يتم تهريب هذه الآثار عن طريق تركيا ولبنان والأردن، أما جنيف ولندن فهما مركز توزيع هذا السوق منذ العام 2003 لكن مفتاح التهريب الأساسي فهو في مخيمات اللجوء حيث لا رقابة على هؤلاء ولا يمكن ضبطهم ما يمهد لكوارث مستقبليه لأن هذا التراث هو ذاكرة شعوب المنطقة ولا يجوز أن تدمره الحروب، ففي شباط الماضي تم تقدير قيمة الآثار العراقية المهربة بـ7 مليارات يورو مع أن مجلس المتاحف الدولي (ICOM) نشر قائمة عليها صور نموذجية لجميع الآثار التي يمكن أن تهرب من سورية والعراق ويجري تفعيلها في الجمارك والأنتربول الدولي وهناك من تم توقيفهم مع حقائب فيها لويحات أثرية لبلاد الرافدين، لكن المقلق في هذا الصراع أن القطع التي ظهرت إلى العلن قليلة جداً نسبة إلى الحفر الموجودة وهناك دول تريد تشريعاً منسوخاً للطريقة التي ستتعامل بها، لكن ومع الحرب هناك خليط من الحالات المعقدة وسلوك شديد التضاد مع من يريد حماية هذا النهب، كما تقوم اليونيسكو بتذكير الدول المحيطة بسورية للعمل على تطبيق اتفاقية الحد من الاتجار بالآثار.
اليوم وفي ظلمة متحف أو موقع أثري بعد تدميره وسرقته وعمليات قتل وقطع رؤوس ونقاط مراقبة وثكنات مجرمين باتت تلك الآثار تغرق في صمت الحجارة بعد أن كانت ذاكرة الزمان والمكان، وكأن حبال المراكب قد أرخيت إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن