قضايا وآراء

الولايات المتحدة تنصتت على آخر ثلاثة رؤساء فرنسيين بين الروح و«النفس»: هل تنفع صلاتهم وأرواح مئات الآلاف تطاردهم؟!

فرنسا – فراس عزيز ديب : 

 

قد يبدو إيراد عدد الرؤساء الذين تم التنصت عليهم من «الحليف» هو أسلوب للتخفيف من الصدمة، والتعامي عن الحقيقة الأهم وهي أن آخر ثلاثة رؤساء حكموا ما يقرب العشرين عاماً. عقدان مرَّا من عمر رأس السلطة الأولى في فرنسا و«الحليف» يمتلك عنهم حتى «رسائل التسوق» التي كانوا يرسلونها لعائلاتهم، مع ذلك كان رد «لوران فابيوس» على الفضيحة واضحاً «لا مكان للأسد في السلطة»، عن أي فرنسا نتحدث؟
هذا «الانفصام» ليس حكراً على أكثر سلطة «هزيلة» منذ قيام الجمهورية الخامسة، لكنه انتقل لوسائل الإعلام من مبدأ «قل لي من يمولك، لأقول لك ما هو مدى حريتك».
تتحدث كبريات الصحف الفرنسية عن الإرهاب الذي ضرب في يومٍ واحدٍ كلاً من تونس ومشيخة الكويت وفرنسا، متجاهلين كل ما ارتكبته داعش بذات اليوم في «عين العرب» والحسكة. لا يهم أين ضربت داعش، لا يهم متى نعدِّل تسميتها لـ«دولةٍ إسلامية»، المهم ما نريد أن يصل للرأي العام الفرنسي من أفكار حتى بآلية انتقاء ضحايا الإرهاب، إنه «وهم الصحافة الحرة» التي ما زال البعض يقدم لنا فرنسا كنموذج لها. تلك الصحافة الحرة لم تستطع أن تقدم للمواطن الفرنسي حتى الآن جواباً على تساؤلٍ منطقي:
إذا كانت الجريمة الأخيرة في ليون مرت بحادث ذبح، لكن ماذا لو نجح الإرهابي في تفجير المنشأة المصنفة أساساً بأنها من المنشآت الخطرة؟! عندها سنتابع ربما مؤتمراً صحفياً لفرانسوا هولاند سيحاول فيه التغطية على إخفاق تحالفاته وتوجهاته بالحديث عن أهمية التدخل العسكري في مالي؟! فمن هو صاحب المصلحة بما يجري؟
بعد كل عملٍ إرهابي أياً كانت المنطقة التي يضربها، يُطرح التساؤل: «من هو صاحب المصلحة»؟
لكن هذه قاعدة ولكل قاعدة استثناء، حتى القاعدة كـ«تنظيم» بتنا نعرف له استثناء، وهو «تنظيم جبهة النصرة» الذي هو بالنهاية فرعٌ من تنظيم القاعدة لكنه يُقدَّم على أنه «ثوار معارضون».
إن المدرسة الأخلاقية التي تربينا بها تحتم علينا إدانة الإرهاب أياً كانت المنطقة التي يضربها، كذلك الأمر فإن حقن دماء الأبرياء ـ بغض النظر عن الجنسية التي يحملونها ـ مسؤولية أخلاقية قبل كل شيء.
لسنا كغيرنا نستغل دماء الأبرياء لإيراد الاتهامات لـ«الحكومات» الخليجية بأنها تقف خلف التفجيرات، كما كانت تفعل الأبواق الإعلامية بعد كل حادثٍ إرهابي في سورية، واتهامها لما يسمونه «النظام» بالوقوف خلفها لتشويه الثورة. إن المصداقية تحتم علينا أن نقول إن حوادث الإرهاب في مشيخات النفط ليس إلا تفسيران اثنان؛ كلا التفسيرين لا تنطبق عليهما عبارة أحلاهما مر فحسب، لكن كلاهما أسوأ من أي احتمال ثالث بآلاف الدرجات.
قد يقول قائلٌ: إن «زعماء المشيخات» هم من يسهلون التفجيرات الإرهابية لإظهار أنفسهم كضحايا من ضحايا الإرهاب التكفيري، بالتالي فإن الاتهامات الموجهة لها بدعم هذا الإرهاب من أجل إسقاط الدولة السورية هي مجرد أكاذيب. في الوقع لايبدو هذا التحليل منطقياً، حتى وإن كان يحمل صفة «المرغوب» لدى قطاعات كثيرة في هذه المنطقة كانت ضحيةً للإرهاب التكفيري، لكن هذا الأمر يمكن الإجابة عنه ببساطةٍ من خلال نوعية التفجيرات ومكانها ورمزيتها. بمعنى آخر لا يمكن لتلك المشيخات أن تغامر تلك المغامرة المجنونة على أراضيها فتصب الزيت على النار، ولو أرادت أن تفعل ذلك لتحسين صورتها، على الأقل كان من المفترض لها أن تعدل برمزيةٍ أهدافها.
التحليل الأسوأ ينطلق من فكرة أن تلك المشيخات ما كانت يوماً لتتوقع أن المغامرة المجنونة ستصل لأراضيها وهنا بيت القصيد، هو تساؤلٌ منطقي مفاده:
هل بدأت فكرة تعويم وجود داعش كقدرٍ لا مهرب منه؟ بمعنى آخر دخلنا في مرحلةٍ خطرةٍ قوامها العجز الأمني في تلك المشيخات (بما فيها تلك القواعد الأميركية التي تحميها!) عن اكتشاف مايريده الإرهابيون من تلك المشيخة أو تلك. هذا العجز بالمطلق لايمكن توصيفه فقط انطلاقاً من الفشل في الحصول على المعلومة، الأخطر هو ارتفاع النسق المؤيد للفكر الداعشي في داخل تلك المشيخات، أو مايمكننا تسميته حالة نزوح فكرية من «الانتماء المؤمن ـ إن جاز التعبير» باتجاه ماتجسده داعش من روح «الدولة الإسلامية» التي يحلمون بها، والتي هي بالأساس ليست موجودة إلا على ورق التاريخ «المزوَّر».
الخطورة التي يتجاهلها الجميع في تلك المشيخات المهترئة أن داعش دخلت سورية والعراق عبر الحدود وبقوة الحديد والنار، لكنها بذات الوقت تُجابَه بقوة الحديد والنار، أما دخولها إليهم فلايحتاج لعبور الحدود، يحتاج فقط للعبور إلى مواقع التواصل الاجتماعي لكل ماله علاقة بداعش، فإن كانت داعش قنبلة رُميت على سورية والعراق لتدميرهما وتمزيقهما، ففي «مضاربكم» فإن داعش هي قنبلة موقوتة تنتظر لحظة الصفر لتنفجر داخلياً، فماذا فعلتم لتحصنوا أنفسكم؟
ماذا فعلتم «كمثالٍ» للَجمِ تلك «الجمعيات الإرهابية» التي كان يقودها نواب حاليون وسابقون في مجلس الأمة الكويتي، عن مساعيهم البغيضة تجاه ذريعة جمع الأموال لمساعدة «الثوار السوريين». لم نركم تقفلون أي قناة «دينية» على الرغم من أن بعضها كان يدعو للقتل والإبادة علناً، فمتى سيفهم هؤلاء أن داعش هي الصورة العملية لفكرة «الربيع العربي»، الجميع ظن نفسه بعيداً عنها، لكنه يتجاهل أن بيته يحتوي آلاف الثغرات التي لا تنفع معها الديكورات البدائية لتمنع نفوذ داعش إليها.
لا يريدون أن يفهموا ماذا يعني تسريب ما يسمونه «العملة النقدية» لداعش وهي تحتوي صورة لخريطة العالم؟ هذا الأمر يجعلنا ببساطةٍ نقول إن ما يُراد من داعش ليس حكراً على سورية أو المنطقة فقط، إنه استنساخٌ لحالة الحرب اليوغسلافية التي حاصرت أوروبا وأربكت مشروعها الوحدوي منذ تسعينيات القرن الماضي، علماً أن أدوات الحرب على المنطقة الآن لاتفرق كثيراً عن أدوات الحرب على يوغسلافيا. إنه التطرف بكل انتماءاته، فهل كان نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي مُحقاً عندما دعا الخليجيين للصلاة من أجل بقاء الأسد؟!
كرر «رجب طيب أردوغان» استغاثاته، قال: إنه لن يسمح بقيام كيان انفصالي في جنوب تركيا مهما كلف الثمن، لكن في لغة الواقع هناك ثمنان لا ثالث لهما؛ إما التعاون مع القيادة السورية أو التعاون «علناً» مع داعش، وهو غير قادر عملياً على تطبيق أيا منهما، حتى ما سُرّب عن دخول داعش إلى «عين العرب» الأخير والذي جاء عبر الأراضي التركية كان مثيراً للاستغراب، فمن أين دخلت «جبهة النصرة» لكل من إدلب وجسر الشغور، فما الجديد؟ الجديد ربما قد يكون بازاراً دخله أردوغان ينهي هذا الجدل، بمعنى آخر رفع سقف التصريحات ضد قيام الكيان الانفصالي مقابل وعودٍ أن هذا الكيان إن قام لن تكون تركيا ضمن أهدافه، هذا الأمر ربما ما يفسر الهجوم العام لداعش على الحسكة. لم يكن الهجوم جديداً لكن الجديد هذه المرة هو حجم القوة المستخدمة والذي يعني فيما يعني أن النصر الإرهابي هو قرار للولايات المتحدة، مرتبطٌ بالمشروع القادم للشمال، والذي ستزداد فرص إحباطه كلما نجح أهالي الحسكة مع قوات الجيش العربي السوري برد هذا الهجوم. هي ذات الحالة التي تنطبق على ما يُسمى معركة «تحرير الجنوب السوري» والتي لا يزال ملك شرقي نهر الأردن (يُغلظ الأيمان) أنه لا يتدخل بها.
نجحت المخابرات الأردنية بالتذاكي من جديد عبر إجبارها لأكثر من 600 نازح في مخيمي «الأزرق» و«الزعتري» بالالتحاق بدوراتٍ تدريبيةٍ تمهيداً لزجهم بالمعركة إلى جانب ما تيسر من عناصر إرهابيةٍ جاءت من دول عدة للمساهمة في هذه الحملة، لكن ما لم تنجح به تلك المخابرات أن تنزع صفة «حب الوطن» عن بعض السوريين، وحالة الوفاء لـ«الخبز والملح» عند كثير من الأردنيين. تقول المعلومات: إن أحد أهم أسباب إخفاق الهجوم وقدرة الجيش السوري على استيعاب الصدمة الأولى رغم كل ما تم التحشيد له، هو حصوله على معلوماتٍ موثقةٍ منهم على ما يتم التجهيز له.
فشلُ الهجومين شمالاً وجنوباً يفتح الباب على مصراعيه للكثير من التقلبات القادمة، تحديداً أنها الساعات الأخيرة قبل تصاعد الدخان الأبيض إيذاناً بالاتفاق النووي الإيراني. كُسرت قدم كيري فكان عكازاه اللذان يستند إليهما للسير ببطء نحو تحقيق حلمه هما تلك القيادتان في الشمال والجنوب، فهل سيتعظ هؤلاء أن كيري عندما سيتعافى ـ بعد أيام ـ لن يحتاج لهذين العكازين. عندها قد لا تنفع صلاتهم، فالصلاة قنوت، والقنوت بالنهاية هو سكينة للروح، فكيف لـ«أنفس» هؤلاء أن تسكنها السكينة وأرواح مئات الآلاف تطاردهم، إنها ليست لعنة سورية فحسب، إنها فلسفة الفرق بين «النفس» والروح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock