من دفتر الوطن

بوابات الريح

عصام داري : 

 

عندما ينكسر الوقت وتهرب الدقائق من ساعاتنا، وتلدغنا عقاربها بعنف وحقد، وعندما يصمت الكلام، وتهجم العتمة من دون استئذان، نعرف أننا اقترفنا خطيئة إهدار سنوات عمرنا في مقامر الحياة.
نحن نقامر بتلك السنوات التي كتب لنا أن نقضيها على هذا الكوكب الأزرق الذي يحمل كل التناقضات، تماماً كالنفس الإنسانية: فهو كوكب السحر والجمال والحياة، وهو أيضاً كوكب الحروب والدمار والدماء التي لونت بالأحمر الأنهار والتربة والنبات.
كوكبنا اكتسب كل صفاتنا، وربما نحن الذين اكتسبنا القسوة والعنف وطبائع الأعاصير والرعد والبرق والزلازل من هذا الكوكب، هل من الممكن أن يتقمص كوكب ما شخصيات آدمية، أو أن تتقمص الشخصيات الآدمية صفات كوكب؟ وهل هناك تفاعل بين الكواكب والأجرام السماوية وبين المخلوقات؟!.
من أين يأتي كل هذا العنف والكراهية والأحقاد إلى نفوس كانت لأشخاص يشبهون البشر، فصاروا مخلوقات تتقزز منها حتى الحيوانات؟.
إذا كانت كل بوابات الحياة- الجمال والحب والسحر- مفتوحة على مصاريعها أمامنا، فلماذا نختار بوابة الريح لندقها من دون كلل ولا ملل، ألم نتعلم من الحكمة الشعبية القائلة: «الباب الذي يأتي منه الريح سده واستريح» أم إننا هواة اللعب بالنار وبالريح والأعاصير والدمار، والريح لا تأتي إلا بالدمار.
أنا من المؤمنين بأن الحياة أكبر وأوسع وأرحب من أن ندخل في أضيق الزوايا، ونبحث فيها عن أصغر الأمكنة، ولا نرى فيها إلا الجانب المظلم، وماذا بعد الظلمة؟.. وهل بعد الصحراء صحارى لا حدود لها من دون أمل حتى بحلم من سراب؟.
لماذا نجلد أنفسنا ونعيش مع وجعنا وأحزاننا وظلمة أرواحنا، ما دام في العمر بقية من سنوات وأشهر ودقائق؟، لا ننكر أننا على بوابة مدينة أتعبها التعب والوجع والسفر في مكان ليس كالأمكنة، وزمان ليس مثل الأزمنة!!، لكننا نمتلك مفاتيح الغد إذا أضعنا مفاتيح الأمس، فكلنا في سفر أبدي وكلنا أصدقاء الوجع ورشفة أمل وحزمة ضوء، وكثير من العتمة، التي أعجبها المقام في مضاربنا، فأرادت أن تصبغ حياتنا بلونها الأسود الفاحم.
كنت أقول دائما: إننا أبناء الحياة والحرية والفرح، أصدقاء الشعر والزجل والموسيقا والألحان السماوية، وأصحاب الحب والعشق والمحبة، وكل القيم النبيلة التي تميز الإنسان عن بقية مخلوقات الكون الفسيح، ولأننا كذلك لا يمكن أن تهزمنا الظلمة، ولا أن تجرحنا الأشواك، ولا أن نسقط على أول مفرق طريق.
لأننا كذلك أدعوكم إلى أن نعمل معاً على «سد بوابات الريح» وتعالوا ننسج معاً من ألوان الطبيعة الخلابة أثواباً من أحلام مشتهاة منذ دهور، ونرسم لوحات تحاكي جمالاً هو أقرب للسحر والخيال والخرافة منه إلى الواقع البائس الذي حشرونا فيه واعتقدوا أنهم سجنوا أرواحنا في قمقم محكم الإغلاق.
نسير معاً على دروب عشق تظللها الفراشات والأزاهير، وأسراب الحمام.. لن توقفنا أشواك يزرعونها في طريقنا، أو ألغام وضعوها في دروب مستقبلنا، ولن ينجح من يحاول اغتيال حلم طفولة جميل عمره ملايين السنوات.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن