بين المُعتديِ والُمعتدَى عليه، خطوط حمراء

| رفعت البدوي 

كثرت في الآونة الأخيرة التفسيرات والتحليلات حول الغارة الأميركية على الرتل العسكري السوري الذي كان متوجهاً نحو الحدود السورية العراقية لإحراز مزيد من التقدم نحو معاقل تنظيم داعش الإرهابي.
الكثير من المحللين اعتبر أن الهدف من الغارة هو رسالة أميركية لروسيا قبل أن تكون رسالة موجهة إلى سورية والقوى الرديفة العاملة مع الجيش العربي السوري، مضمون الرسالة هو رسم خطوط حمراء أميركية لسورية ومن معها ومن ثمّ يعني أنه من غير المسموح بتجاوز تلك الخطوط الحمراء والتقدم نحو المناطق الحدودية السورية المشتركة مع العراق.
البعض من المحللين ذهب في تحليلاته لحد الجزم أنه لم يكن بمقدور أميركا تنفيذ الغارة على الرتل العسكري السوري لولا حصول أميركا على غض الطرف الروسي أو الموافقة الروسية على تنفيذ الغارة، بل أكثر من ذلك فإن البعض يُصرّ على اتهام روسيا بالتواطؤ، مبرراً ومنطلقاً من معطيات أهمها أن أنظمة الدفاع الروسية المنصوبة على الجغرافيا السورية قادرة على اكتشاف أي طائرات غريبة تدخل المجال الجوي السوري، كما أن المنظومة الروسية قادرة على التصدي للطائرات المعادية من أي جهة أتت.
صحيح أن أميركا سبق لها أن أعلنت أنها تقود تحالفاً كبيراً لمحاربة الإرهاب، بيد أن الغارة الأميركية لم تكن على مواقع تنظيم داعش الإرهابي، كما هو المفترض، بل إن الغارة الأميركية استهدفت قوات تابعة للجيش العربي السوري كانت تنوي التقدم في البادية السورية نحو مناطق الحدود السورية مع العراق حيث معاقل تنظيم داعش الإرهابي وتفرعاته، وإنها ليست الغارة الأميركية الأولى التي تشنها الطائرات الأميركية على قوات الجيش العربي السوري، فقبل عام تقريباً وفي توقيت لافت قبل اجتماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قامت القوات الجوية الأميركية بغارة على مواقع تجمعات قوات الجيش العربي السوري في دير الزور وجبل الثردة التي كانت تتهيأ للتقدم نحو مواقع داعش، موقعة فيها خسائر بشرية نتج عنها العشرات من الشهداء والجرحى في صفوف الجيش العربي السوري، على حين أن وزارة الدفاع الأميركية أصدرت بياناً رسمياً قدمت فيه اعتذاراً رسمياً، مبررةً الغارة بأنها كانت عن طريق الخطأ، وفي حالة شبيهة للغاية لكنها مترافقة مع سيناريو مختلف، وفي توقيت لافت أيضاً سبق انعقاد القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ملوك وأمراء ورؤساء دول عربية في المملكة العربية السعودية، قامت الطائرات الأميركية بغارة على رتل تابع للقوات السورية أثناء توجهها لمحاربة مواقع داعش الإرهابي، وفي هذه المرة أصدر وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس بياناً ملتبساً عن الغارة الأميركية حيث قال: نحن لا نريد الانغماس مباشرة في الحرب الدائرة في سورية ولكننا سنضرب القوى التي تهدد قواتنا المتمركزة هناك.
وهنا يتبادر إلينا السؤال: إذا كانت مهمة القوات الأميركية والبريطانية الموجودة في الشمال السوري هي محاربة الإرهاب، فما الهدف من تلك الغارات الأميركية المتكررة على قوات الجيش العربي السوري المتقدمة نحو الشمال السوري والحدود العراقية السورية تحديداً وتحت مسميات وأسباب مختلفة؟
إن روسيا قدمت أوراق نجاحها في إدارة الأزمات في المنطقة ولاسيما في سورية، وتحويل الحرب فيها من الحرب على النظام إلى حرب النظام على الإرهاب، وبالتالي تكون روسيا قد نجحت في إدارة الأزمة كما أنها نجحت في تحقيق الخطوات المهمة من جنيف إلى أستانا، وبضمان كل من روسيا وإيران وتركيا وسورية في إيجاد الأرضية الصالحة الرامية إلى تحقيق «مناطق تخفيف التصعيد» مترافقة مع عملية المصالحات التي لاقت نجاحاً كبيراً في مناطق عدة، وهنا أدرك الأميركي أن أهدافه ومخططات الدول الداعمة للإرهاب في سورية قد أصابها الضرر والتراجع وقابلها تقدم روسي ملحوظ على مختلف المستويات.
روسيا ليست عاجزة عن الرد على أي اعتداء ينال قوات الجيش السوري الحليف الإستراتيجي، لكن روسيا لا تريد الانجرار إلى صدام مباشر مع أميركا من شأنه أن يُذهب كل المجهود الروسي منذ دخولها الساحة السورية حتى اليوم، كما أنها تريد الحفاظ على تقدمها في إدارة الأزمة دبلوماسياً، إضافة إلى مكتسبات الجيش العربي السوري في آن واحد وبناء الأرضية الصلبة لأي اتفاقات مستقبلية، إذ إن بوتين قال: نحن في روسيا نمتلك القوة الحاسمة لكننا نسعى دائماً للسلام وهذه سياستنا وقيمنا.
أما ترامب فيقول: إن سياستنا قائمة على تأمين مصالحنا الاقتصادية وأمننا القومي في العالم، أما قيمنا فهي في مكان آخر.
نخلص للقول: إن الخطوط الحمراء تُرسم بوجه معتدٍ باغٍ، وأميركا هي المعتدية الباغية على أوطاننا، وإن الخطوط الحمراء لا يمكن أن تُرسم بوجه جيش وشعب ووطن اعتدي عليه، لأن هذا الوطن حارب الإرهاب بجيشه وشعبه وذنبهم أنهم قدموا التضحية وصمموا على الدفاع عن وطنهم وعن الهوية والعزة والكرامة فيه وعلى صوغ تاريخ مجيد بما يخدم الأجيال.