وسقطت ورقة التوت!

| بنت الأرض 

هل تتذكرون الهدف الأساسي الذي أعلنته داعش من وجودها في سورية والعراق؟ أولم يكن إيجاد دولة داعشية في المنطقة بين سورية والعراق؟ أولم يكن هذا هو الهدف الأساس من نقاط تمركزها في الأنبار والموصل والرقة والدير، وعلى طول الحدود العراقية السورية، وقطع سبل التواصل بين هذين البلدين؟! وتعدّدت الروايات في حينه عن دولة كردية تتواصل مع كردستان، وعن احتمالات نشوء دول مماثلة في تركيا وإيران، وإلى ما هنالك من قراءات تمّ الترويج لها من خلال صنّاع مشروع داعش، والمخططين له ضمن مشروع الربيع العربي الكبير.
واليوم، وبعد أن اتخذت سورية وحلفاؤها قراراً استراتيجياً بالتركيز على خوض المعارك لطرد داعش وفتح الحدود العراقية السورية؛ الأمر الذي سوف ينعكس بشكل إيجابي كبير على سورية والعراق اقتصادياً وسياسياً وأمنياً وثقافياً، وبعد أن أحرز كلّ من الجيش العربي السوري والحشد الشعبي العراقي، انتصارات مهمّة على طريق تحقيق هذا الهدف، ما الذي حدث؟ قامت قائمة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبدأت ولأكثر من مرّة بقصف قوات الجيش العربي السوري في كلّ مرة يقترب فيها هو وحلفاؤه من دحر داعش وهزيمته في هذه المناطق.
أما وقد وضع الجيش العربي السوري خطة واتبع مساراً يوصله إلى أي نقطة تواصل مع الأشقاء العراقيين، فقد اتخذت الولايات المتحدة خطوة أبعد من ذلك، وقامت بتركيب قواعد صواريخ في الجنوب السوري، مستخدمة عملاءها من خونة ثوار الربيع العربي لاستهداف الجيش العربي السوري ومحاولة منعه من التواصل مع العراق، والسؤال إذاً: من الذي كان يريد إنشاء دولة فاصلة بين سورية والعراق وذلك لضمان عدم التواصل بين هذين البلدين، أهوَ داعش أم الولايات المتحدة، أم إن أهدافهما واحدة لا فرق بين هذا وذاك؟
إن داعش، حسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتخابية، تمّ إنشاؤها من قبل الإدارة الأميركية السابقة على يد الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، ولقد كشفت وثائق سرّية أفرج عنها الـ«سي أي إيه» مؤخراً أن الاستخبارات الأميركية هي التي طلبت من الرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين تحشيد جنوده على الحدود السورية، وإضعاف حافظ الأسد، وكان صدّام، وبطلب وموافقة الولايات المتحدة، هو الداعم الأول لعصابات الإخوان المسلمين الإرهابية في أوائل الثمانينيات، الذين اغتالوا خيرة الكوادر السورية في المجالات كافة ودمّروا وفجّروا وحاولوا تغيير الحكم كي يصبح ذا وجه أميركي.
السؤال الآخر هو: كيف ينسحب داعش من الرقة من دون قتال، على حين ما زال الحشد الشعبي يقاتل داعش في الموصل منذ أشهر شارعاً شارعاً، بيتاً بيتاً؟ أهي قوة داعش، أم هو القرار الأميركي الذي يريد تسليم الرقة للقوات الفعلية له، ولا يريد تحرير الموصل لأسباب تتعلق بمصالحه هو، ولا علاقة لذلك بقوّة داعش أو قدرتها على المقاومة هنا أو هناك؟
الأمر أصبح جليّاً إذاً؛ هناك أهداف أميركية سياسية للهيمنة على المنطقة ونهب ثرواتها، تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ عليها وتطويرها لمصلحتها منذ عقود، وتستخدم من أجل ذلك أدوات مختلفة من عصابات الإخوان المسلمين، إلى عصابات داعش والنصرة، إلى الأنظمة الرجعية المستبدّة العميلة، وحين تمكّن الجيش العربي السوري وحلفاؤه من قلب هذه المعادلات، دخلت الولايات المتحدة مباشرةً بجيشها وعديدها وعتادها ساحة المعركة دون خجل أو وجل، وأحد هذه الأهداف هو عدم السماح بتواصل جغرافي حقيقي بين البلدين وصولاً إلى أن تصبح الأردن وطناً للفلسطينيين، وتصبح القدس عاصمة لإسرائيل اليهودية، ووصولاً إلى تقسيم مصر والسعودية إلى دول ضعيفة هامشية.
من هنا نستنتج أيضاً لماذا لم يتمّ تطبيق أي من قرارات مجلس الأمن، والتي نصّت على محاسبة الدول أو الأطراف التي تموّل وتسلّح وتسهّل عبور الإرهابيين، ولقد ظهرت أشرطة فيديو تُري دور ضبّاط إسرائيليين وأميركيين في قيادة مجموعات داعش الإرهابية في سورية والعراق، والأمر لم يعدْ بحاجة إلى براهين؛ إذ إن المستفيد الوحيد من هذا الإرهاب الوهّابي الآثم الذي عاث منذ ستّ سنوات عجاف في أرضنا فساداً وقتلاً وتدميراً، هو العدوّ الصهيوني وربيبته الإدارة الأميركية.
والأمر ذاته ينطبق على التطوّرات الأخيرة في الخليج ومفرزاتها من أحداث مسيئة للعرب جميعاً، إضافة لعوامل شرذمتهم وفرقتهم وتشتتهم، ومن هذه المفرزات بيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، الأمر الذي هلّل له الإسرائيليون واعتبروا أنهم، حتى بعد خمسين عاماً، انتقموا من عبد الناصر، الذي أغلق مضيق تيران في وجه السفن الإسرائيلية، وأنهم يتابعون حربهم التي شنّوها عام 1967 ضدّ العرب.
لقد أصبحت أسباب هذه الحرب الظالمة على سورية والعراق واليمن وليبيا واضحة وضوح الشمس، ولا جدال بعد اليوم أن الولايات المتحدة وأعوانها في المنطقة هم رعاة الإرهاب وأربابه، وأنّ محور المقاومة وحليفته روسيا هم العاملون على دحر هذا الإرهاب، وتحقيق تحرير الأرض، وسيادة الدول الحقيقية، واستقلال القرار، ودحر هجمة استعمارية تستهدف استعباد الشعوب أشدّ وطأً من الاستعمار الغربي خلال القرن التاسع عشر.
لا شكّ اليوم أن المعركة التي خاضها أبطال الجيش العربي السوري، والشعب السوري وحلفاؤهم والأثمان الباهظة التي دفعها كلّ بيت من الشهداء والجرحى، هي أثمان الاستقلال والحرية.
كفى بعد اليوم تساؤلات عن جذر الإرهاب وفرعه، وكفى تساؤلات عن أسباب ما يحدث: الأسباب قديمة حديثة؛ وهي الهيمنة الصهيو أميركية على المنطقة العربية برمّتها ونهب ثرواتها.