عن «الشفافية» و«مكافحة الفساد» و«الإصلاح الإداري»: شعارات على قيد الأمل

| فرنسا – فراس عزيز ديب 

في تموز من عام 2000 وقف الرئيس بشار الأسد في مجلس الشعب ليلقي خطابَ القسمِ الأول ويرسم الخطوط العريضة لما ستكون عليهِ سياستهُ في السنوات القادمة، يومها ما ميز الحديث المتعلق بالشأن الداخلي استخدامهُ لمصطلحِ «الشفافية» كوسيلةٍ للنهوض بالواقع الاجتماعي والسياسي والإداري المتهالك في سورية، وما يمكن أن تحققه من عاملٍ مساعد لإنجاز رؤيته الإصلاحية تحديداً أنه قال يومها: «أنا لا أملك عصا سحرية».
بعدها بسنواتٍ بدأ يخرج للعلن شعار «مكافحة الفساد» وما ميز تلك الفترة أنها عرفت تنفيذاً ولو جزئياً لهذا الشعار بحملاتٍ طالت عدداً من المسؤولين أو أصحاب النفوذ المتورطين في ملفات الفساد انتهت كما جرت العادة إما بهروبِهم أو بإعلانهم رفعَ راية «المعارضة».
وتجاهل المعنيون بتنفيذ هذين الشعارين أن تطبيقهما وفقاً لآلياتٍ ووسائل عفا عنها الزمن، أمرٌ محكومٌ بالفشل، لأن الفساد مثلهُ مثل الإرهاب، لا يمكن لهما أن ينتهيا بانتهاء الشخص المتجسدينِ فيه، والطريقة الوحيدة لإنهائهما هي مكافحة «فكرة الفساد» أو «ثقافة الفساد»، عندها ستكون مكافحة الفاسد تحصيل حاصل.
اليوم وصلنا للمصطلح الثالث وهو «المشروع الوطني للإصلاح الإداري»، مصطلح بتنا نشعر وكأنه أشبهَ بحبة السيتامول، علينا تناوله ثلاثَ مراتٍ يومياً، كي نحمي أنفسنا من الصداع، وبتنا نشعر أن هناك من يتعمد إعدام هذا المصطلح بأسلوب «الإغراق بالتداول» كما جرى مع زميليه السابقين لدرجةٍ باتوا يربطون أي محاضرة أو دورة تثقيفية لعدة أيام أو حتى الرحلات الترفيهية إلى بلودان بعبارة «في إطار المشروع الوطني للإصلاح الإداري»، حتى بتنا نشك أن المكلفين بإنجاز هذه المشاريع فهموا التوجيهات المعطاة لهم وكأنها بتكرار المصطلحات لا تنفيذها! ولا ندري، ربما سنجد هؤلاء مستقبلاً يحاولون إقناعنا بعقودِ إعادة طلاء جدران إدارات الدولة وكأنها ضمن المشروع الوطني أيضاً، لكن على هؤلاء أن يتذكروا أن «البروظة» والتجميل الإعلامي والخطابي الذي كاد يمر في السابق لا مكانَ له اليوم.
بمعنى أدق: إن جدران إدارات الدولة فعلياً متصدعة وإعادة الطلاء قد يُكسبها المظهر الحسن، لكنه لا يكسبها المناعة من الانهيار والأفضل هو المحافظة على القواعد السليمة وإعادة إنشاء الجدران فكيف ذلك؟
لا يختلف اثنان أن هذه الشعارات الثلاثة عندما نمتلك إرادة حقيقية لتطبيقها لا الاكتفاء بالتغني بها، فهي حكماً حبلَ نجاةٍ لكيان الدولة ككل، لكن ما قد نختلف عليهِ أن هذه الشعارات بالنهاية «سلة واحدة» لا يمكن فصلَ أحدها عن الآخر، أو تطبيق أحدها وانتظار السنوات لتطبيق البقية، نحن نتحدث عن ثالوثٍ متداخل ومترابط لا عن مشروع يبدأ بمرحلة وينتهي بثانية بطبيعة مستقلة لكل مرحلة، ولكي تكون الفكرة أوضح، إذا اختصرنا تعريف الفساد أنه «سوء استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح خاصة، أو خروج عن القانون وعن النظام العام وعدم الالتزام بهما من أجل تحقيق مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية للفرد أو لجماعة معينة»، فإن مكافحة الفساد لا يمكن عملياً تطبيقها من دون «شفافية»، وكلاهما يصبحان لا معنى لهما دون وجود ديناميكية في اتخاذ قرارات إدارية قد يحتاج بعضها لتعديلات قانونية أو دستورية تظهر مع الزمن لتساهم في تحصين الدولة، أما تطبيق الشعارات بصورةٍ متباعدة فإن الأمر حولها لمذبحة إدارية لم تساهم فقط بإفشال كل المراحل؛ لكنها أدت لهروب وتطفيش العقول والكفاءات على حساب الولاء والانتماء الضيق، البعيد كل البعد عن الهدف الحقيقي لهذه الشعارات، وإلا ماذا حققت الشفافية طوال السنوات الماضية؟ هل يستطيع مثلاً أي صحفي سوري معني بالشأن المحلي الدخول لإدارات الدولة وطلب وثائق ومستندات متعلقة بمشاريعهم! ماذا لو أجرينا استطلاعاً وسألنا أصحاب المناصب الحكومية: ماذا تعرفون عن الشفافية؟ أما الحرب على الفساد فإنها للأسف كما وصفناها يوماً؛ فتحت أبواباً إضافية للفساد، فهل بقي مكان لـ«المشروع الوطني للإصلاح الإداري»؟
بكل تأكيد لو سألنا السوريين على مختلف خلفياتهم الثقافية أو الاجتماعية هل أنتم مع مشروع الإصلاح الإداري لكان الجواب نعم، لو استطردنا بالسؤال هل أنتم متفائلون بإنجازه، لحمل الجواب تناقضات كثيرة، لها ما يبررها سنختصرها بالنقاط التالية:
أولاً، حتى الآن وعلى قدر ما هو متاح من معلومات فإن مشروع الإصلاح الإداري مرتبط بالنظام الإداري الذي يبدأ بالقوانين لينتهي بالجهاز الإداري وإعادة تأهيل الكادر البشري، لكن هذا الأمر يجب أن ينطلق من بديهية أساسية بأن الخطوة الأولى في الإصلاح هي معرفة بواطن الخلل، تماماً كما يقال في الطب بأن تشخيص المرض هو نصف العلاج، فهل نحن قادرون فعلياً أن نواجه الخلل بطريقةٍ شفافة بعيداً عن أي اتهامات قد تصل بنا لحد «النيل من هيبة الدولة»؛ المشكلة أن الخلل هنا متشابك قد يبدأ بقوننة الروتين والبيروقراطية أو بإعطاء «وزارة التنمية الإدارية» صلاحية تطبيق هذا المشروع، لينتهي بخلل انتقاء الكادر البشري، وهو الأهم، ولعل الأمثلةٍ عليه كثيرة منها: منذ قدوم حكومة عماد خميس فلا يمر أسبوع إلا ويكون فيهِ خبر عن إقالاتٍ لمسؤولين هنا أو هناك، بمعظمها لأسبابٍ تتعلق بالفساد، لكن منطقياً ما الذي ستغيره هذه الإقالات، هل إن إقالةَ شخصٍ والمجيء بغيره هي طريقة لإنهاء الفساد ونحن نتبع ذات الأسلوب بالتعيين والترشيح وهما حكماً بعيدان كل البعد عن معيار«الكفاءة»، إذا ما اتفقنا أن كفاءة الجهاز الإداري هي الأساس بتطبيق النظام والقوانين.
ثانياً، ما هو مصير القطاع العام الخدمي والإنتاجي؟ فمثلنا كُثر «متطرفون» لصالح القطاعِ العام ونعتبره جوهرة الفقراء الثمينة ولا يجب التفريط به كما كانت تريد الحكومة السابقة، والتي سارت بهدوءٍ نحو خصخصة الكثير من المرافق، حتى جاءت حكومة عماد خميس التي بدا واضحاً من خلال «أداء ونية» رئيسها أن القطاع العام له أولويته، لكن هذا الكلام طرح تساؤلاتٍ مهمة، كيف سنعيد إصلاحه وكيف سنقيِّم المسؤولين عنه إن كانت إقالة مسؤول فاسد تأخذ مداولات تستمر لسنوات، ثم هل إن حل مشكلة «البطالة المقنعة» ستكون على حساب الفقراء و«غير المدعومين» تنتهي بهم بالشارع أم سيكون هناك آلية ما تضمن حقوقهم؟
النقطة الثالثة وهي آليات المحاسبة، لنعترف أن هذه الآليات فشلت فشلاً ذريعاً، هذا الفشل لا يمكن حله باستبدال مدير هيئة رقابية بآخر، فالمشكلة هنا لا تكمن بالشخص بقدر ما هي مرتبطة باستقلالية قرار المسؤول عن هذه الهيئة، لأن أحد أهم أسباب تفشي الفساد هو دور الهيئة غير المنضبط والتي كانت تخضع لتدخلات أمنية وحزبية، تساهم لحدٍّ ما بتقييد تحركاتها، إذا استثنينا منها فقط الملفات الكبيرة التي تصبح قضية رأي عام، ووفق هذه الآلية المستمرة فلا يمكن لنا انتظار دورٍ أكثر فعالية لهذه الهيئة ضمن هذا المشروع ويبدو أن الحل المنطقي لهذه المعضلة اليوم أن يكون هناك هيئة عليا لمكافحة الفساد تتبع لرئاسة الجمهورية، ولا يوجد ما يمنع تشكيلها دستورياً أو قانونياً، أما إن بقينا على ما نحن عليه، فلن يتبدل شيء وسنبقى ضمن إطار «البقاء للمدعوم أكثر».
النقطة الأخيرة بما تتسع له كلمات هذا المقال، فهي مرتبطة بالنظرة الدستورية لحال القانون الإداري السوري فالفقرة الخامسة من المادة الثامنة للدستور منعت تسخير المال العام لمصلحة «حزبية»؛ كما أن الدستور الحالي يبدو فقيراً بما يتعلق بالشأنين الاقتصادي والإداري وتكلم بالعموميات، وهو قد يدخلنا في متاهاتٍ كثيرة، فهل هذا الإصلاح سيراعي هذه النقاط مجتمعة أم إن المصالح الضيقة سيكون لها فعلها؟
ندرك جميعاً أن ما وصلنا إليه من ترهلٍ إداري ومؤسساتي يضعنا أمام تحدياتٍ كثيرة لتحقيقِ نقلات نوعية في التشريعات الإدارية لا زلنا نفتقر لها، هذه النقلات لا يمكن ببساطة أن تحققها وزارة كوزارة «التنمية الإدارية»، فالإصلاح لا يكون بنظرياتٍ جامدة وتكرار لخطابٍ أكاديمي لا يسمن ولا يغني من جوع، أو بدعة الدورات التخصصية من قبيل «تعلم كيف تصبح صحفياً في 5 أيام»، كذلك الأمر لا يكون عبر تحضير الكفاءات بدورات تدريبية ينجح منها 8 أشخاص من أصل المئات، فالإدارة موهبة وفن قبل أن تكون شهادات عليا، والمشكلة هنا لا تبدو بالأشخاص بل بمكانٍ آخر تماماً، فالإصلاح الإداري يجب أن يكون بعقلية جماعية تشاركية ولو كانت عبر لجنة مستقلة تشبه لجنة صياغة الدستور من أصحاب الخبرة تضع الأولويات بعيداً عن الضغوط والمصالح الضيقة وإلا فإننا للأسف لن نشاهد إصلاحاً إدارياً ولا غيره، بل سنسمع من قبل الموكلين بتنفيذ المشروع كلاماً ووعوداً، لكن باستخدام التقنيات الحديثة وكأنهم فهموا أن الشرح بهذه الطريقة هو بداية انجاز الإصلاح! طريق الإصلاح لا يزال طويلاً وربما علينا أن نتفاءل كي لا نقع في السوداوية التي ترفع بوجهنا لافتة كتب عليها: كل مصطلح وأنتم بخير.