سورية أمنا.. وجعها يرهقنا

| ولاء جمعة

كانت ملقاةً على الفراش هزيلة شاحبة بعد أن نالَ منها العمر، ولكنها لطالما كانت قديمة وعريقة وبالرغم من ذلك تبدو في أوج شبابها تضاهي كل اليافعات من أشقائها ولكن ما الذي تغير فجأة ماذا أصابك أيتها الأمُّ الرؤوم؟
ما الذي بدل حالك؟ ما الذي أدمع عينيك؟ ما الذي ألزمك الفراش وأنت أمٌّ لعشرة أولاد أو يزيدون؟ أفنيت عمرك تشقين في تنشئتهم وتربيتهم وتعليمهم ورعايتهم يعيشون جميعاً ويتنعمون في أحضانك لم تبخلي يوماً عليهم بل أعطيتهم أكثر مما طلبوا، فكيف نراك اليوم عاجزة مكسورة وحزينة، أين ذهبوا؟ أين هم؟ لن أطيل السؤال، قد عرفت الإجابة فإذا ما نقلت عينّي إلى زاوية الغرفة وإذا بي أرى ابنيها أكبرهم وأصغرهم وقد اختلف كلاهما بالرأي والتفكير والاتجاه، لكل غايته ورغباته وميوله يرفض أن يسمع أحدهما الآخر فترى الإخوة جميعهم انقسموا فيما بينهم فمنهم من يلتف حول الأكبر ومنهم حول الأصغر يؤيدون من اختاروا ممثلاً عنهم، ها هي أصواتهم ترتفع ليسكت أحدهما الآخر محاولاً فرض رأيه وإخماد نظيره برفع الصوت وتعالي الصراخ الذي يكاد يلتف حبلاً على رقبة الأم، دموعها تحرق وجنتيها، تناديهم محاولة لفت انتباههم «ساعدوني أنقذوني أنا مريضة أنزف الدم وأشكو الجروح، أرهقني وجعي وأضناني ألمي وساءت حالتي هل منكم أحد يحضر دوائي» تصرخ بصوتها الجاف راجية أن يسمعها أحد أن يلبي نداءها أحد، لكنها كمن يصيح في البيداء فلا عين تنظرها ولا أذن تسمعها فأصوات الأبناء المتعالية ملكت جو الغرفة وأثقلها حتى تدخل الأقارب والأغراب لحل النزاع ولكنهم كانوا أشبه بشعلة أججت النفوس بنيران الحقد والكره حتى أعمت عيون الأبناء وقلوبهم، فتأزم الحال حتى دفع بالأم لتقترب من المنية راقدة على فراشها تنتظر الساعة، ترمق أولادها يتشاجرون ويتنازعون على ما صغر من الأمر وما كبر منه يائسة من جواب يشفيها أو من لهفة تداويها، ها هي تنظر النظرة الأخيرة وترى بعضاً منهم يلم حاجاته ويغادر إلى غير رجعة، مل النزاع والصراع تاركاً وراءه الأم التي لطالما نام بحضنها ونهل من حنانها، غادر من دون أدنى تفكير بحالها وهل هي بحاجة شيء أم ماذا؟ ولكن ما الفائدة؟ روحها وصلت البلعوم، أحكمت قبضتها على الفراش تمتص أوجاع الموت، بللت دموعها الوسادة، غرقت بدمها والتهبت جروحها، بالكاد تفتح عينها لتودع أولادها فمازالوا على حالهم الأولى ولكنها تحبهم يحزنها فراقهم ولكن ما الجدوى؟ ها قد وافتها المنية فغدت جثة هامدة بلا حراك ولطالما كانت «زهرة بلاد الشام» سورية الغالية لم يدركها أبناؤها إلا بعد ما خسروها أقبلوا على الفراش يتهافتون ويصرخون ويندبون ويكثرون النواح إلى أين ذهبت؟ لم تخليت عنا؟ هل من المعقول أن تكون أنانيتنا سبب موتك؟ ويلنا ويا ويل حالنا قتلناك بجهلنا، ذبحناك بخيانتنا، فبئس الأولاد ونحن بذهابك غدونا ضعافاً هشين لقمة سائغة لمن يشتهي ويريد، امحت كرامتنا وزالت هويتنا وتدهورت حالنا واسودت أيامنا، ظلمناك وظلمنا أنفسنا، ليتنا وعينا الخطر وتداركناه قبل فوات الأوان اذهبي أمنا، اذهبي فإنك لم تذهبي إلا كما كنت معطاء وصدراً خصباً رحباً ولكن نحن الأشقياء الأغبياء، اذهبي واستغفري لنا علّ الرحمة تنزل علينا فيعود إلينا رشدنا.