الشرق والغرب

| د. نبيل طعمة 

البراءة والإجرام متلازمتان متوثبتان مسكونتان في جوهر الحياة المراقبة من المشهد الإنساني، صيغتا من أجل التصارع الخفي الظاهر على الحياة ومشاهداتها التي تتكون من محصول الأجوبة المنطوقة، فالأحكام الصادرة لا تصحُّ بأسرها، ولا تبطل من أصلها، حينما نمعن النظر فيها، وننشِّط الإصغاء إليها، ونحلل النتائج من خلال الفوائد المنعكسة على المصلحة العامة بعيداً عن الهوى وإيثار التعصب، نجد أنَّ أي قضية تحمل وجهين، الأول وجود الحق، والثاني وجود خلافه. فالحاكم حاكم بالاعتبار لأنه المالك الوحيد لحقيقة الأسرار، فإن أصاب فإنه حقق وجوده في العام، وتشابه مع فكرة الكليِّ في الخاص من خلال نشر العدالة، وإن أخطأ فسيكون بنسبة المنثور من مخالفات الحقيقة المسكونة في فكر الكليِّ.
أعكس هذا على صيغة الحكم والحاكم، فكلاهما يحكم الآخر، والنجاح لديهما مهمٌّ في تشكيل التعاون والفشل الذي لا يكون من قلة المهارة في العمل، إنما إرادة الحكم أن تفشل هذا الحاكم أو ذاك، هل عَرّفنا الحّق؟ كيف بنا لا نجيد العمل به؟ ولماذا نغض الطرف عنه؟ فالذي لا يريد شيئاً يكون صاحب الحق ومالكه، والحق وزنه، وزن كل الأشياء، أما الذي يريد شيئاً فلا وزن ولا حقّ له. من يحدث التوازن، وما ماهيات الوزن في الدفاع عن الوجود وغزوه في آن؟
أدخل من عنواننا لأشير إلى ما يحدث في عالمنا الجديد الذي أسس على خبث إجرامي رهيب بعد أن قام من ذات الكهن الذي أسسه روتشيلد، ومعناه في الألمانية العلامة الحمراء، وللأسف استخدمت فيما بعد شعاراً للثورات والسجاد الأحمر الذي يفرش أثناء استقبال الرؤساء والاحتفالات الرسمية، واسمه الحقيقي (ريتشارد إكانان) ووجه أبناءه بأن المال قوة، وقوته تعني حكم العالم به، ومن أجل الحصول عليه مستعيداً نظرية أجداده.
بالمال نحكم، وللحصول عليه والسيطرة على العالم به عليكم بنشر الفساد في العالم الذي يحمل سمة واحدة ألا وهي سطو الإجرام على البراءة وقهر الغرب للشرق، وبمعنى أدق: إن هذا الذي رسم الغرب، وأوجد له مساراته هيأ كل شروط الشر والسطو على الأمم بعدما سطا على أوروبا، وسلبها قرارها، وذهب بمالها مؤسساً للغرب وواضعاً قواعد مرعبة لحكم العالم؛ أي منذ قيامة العالم الجديد وطباعة الدولار. قرروا حكم العالم بطرق النفاق والمراوغة والتلاعب بمصير الأمم والمجتمعات والدول، وإن كانت الكهانة قوة إلهية تمنح لشخص دون آخر، فإن الحكم صورة إلهية ترسم على شخص، بعد أن يختار أدواته، يديرها بالعلم والمعرفة، واللين والقسوة، بالتمييز بين الغبن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بين الرفاه والفقر الطبقي؛ أي بين الشرق والغرب، بين الشمال والجنوب، طبعاً وصل الغرب إلى ما وصل إليه بعد أن امتص كامل فكر الشرق وخالطه، مزجه، عالجه، تشرَّبه، وتغذى منه وعليه، حتى صفا واصطفى، فنما وتضخم وبنى القوى، وترك للشرق حزناً، ورمى عليه شرَّه، فاستقبله ببراعة إجرامه، ومارسه ببشاعة، كفَّره فأخذه، وأجراه بينه بكفاءة، قتلٌ وذبحٌ ورجمٌ وموتٌ ارتضاه واعتبره قدره بدلاً من إيمانه بالحياة، أخذ منه البراءة، ورمى فيما بينه فكرة الجناة والإجرام، أودعه فلسفة التمسك بأنَّ الإله له، وله الإرادة في ذلك، وأنه أي الإله فرحٌ بما يعمل.
عصر إجرام عاشه الغرب قبل قرون عديدة، جسَّد خلاله أبشع صور القتل والذبح والحرق والسلخ والتدمير والسلب، وكان الشرق في سبات عميق، براءة الأطفال تحكمه، أودعه التوهان بين الشك واليقين، بين الإيمان بالنهوض والاستفاقة، بين الخضوع للفاقة والتدين، تمسَّكَ بجنان الله والخمر والغلمان والحور العين، والتوهان بين جمهورية الله وممالك الأنبياء وتفاسير السنن والدعاة والمبشرين، ودفع به للتعلق بالملل والمذاهب والطوائف من دون فهم عميق لمفردات أن لا إكراه في الدين، وأنشأ أوديةً عميقةً بينه وبين الثقافة والإبداع والتطور والتقدم، بين الحقوق والواجبات، بين الفلسفة والعلوم، بين الرقي والسمو، وعلقه بكل أشكال التخلف والتقهقر والرجوع إلى الوراء، قتل التنفس، ومنع التنفيس والتعبير، ولم يدرك أنَّ كل من يتنفس ينفس، حتى الصبح يتنفس، لم يستوعب ضرورات التنفيس قبل الأزمات، ومعها وبعدها حارب الحرف والكلمة وبناء الجمال والسعي وراء الحكمة، لم يستوعب الفرق بين الحرية والتحرر، لم يحارب عدوه الأساس وعدوانه المستمر عليه؛ بل اتجه لإنشاء حروب بين أبنائه وأصدقائه وأشقائه.
قبل قرن ونيّف هاجر أجدادنا إلى الغرب بحثاً عن الرزق والعلم، هربوا من السبات، وهاهم اليوم أبناؤنا يفعلون الفعل ذاته، ولكن هرباً من الانفلات والقهر وسيطرة الروح والعواطف والدين.
دعونا نسأل من المخطئ؟ الشعوب، الحاكم، الأداء المتحرك فيما بينهما، الشرق برمته المصر على الاستمرار في استمراء ما هو عليه وارتضائه، الشرق الذي تقبل ما يمارس عليه من الغرب إلى متى سيبقى هذا الشرق على ما هو عليه؟ إلى متى يرفض عقله العاطفي الفطري الديني التطور؟ إلى متى ننبذ النهوض مما نحن عليه؟ إلى متى يبقى غذاء هذا الشرق الرئيس الخوف الذي لم يستطع أن يبدله بالحب؟ مؤكد أن لديه أشياء مفقودة لم يقدر أن يُعرِّفها أولاً. وثانياً لم يسعَ للبحث عنها. كيف للحاكم والمحكوم أن يتجنبا القدر المحكومين إليه بالرجاء والأمل بدلاً من الاتجاه إلى ثقافة العمل؟ ما معنى الأمل إن لم يسبقه العمل؟
مشكلة الشرق إيمانه بأنه أنثى، وأنَّ الغرب ذكر، وأنَّ للغرب حقَّ القوامة عليه، وأعود إليه من باب اعتقاده أنه اخترع الشمس أو أنجبها، وأنها ملكه وحده، وكذلك فعل بالقمر، وأنه ينيره على الرغم من أن هناك في البعيد من قدَّم له عكس ذلك، بعد أن وصل ذاك المتأمل إلى فكرة البزوغ والأفول، إلا أنه أصرَّ على أن يبقى بريئاً من كل شيء، عاطفياً ومتديناً تخلى عن علمه وعلومه مذّاك الزمن، واتجه لما رسم له، فتتالت عليه الغزوات، واستمرت من دون توقف، وهو مصر على استقبالهم وإضاعة فرص إثبات وجوده، وكلما حضر حاكم منه متصالح مع ذاته، مع جوهره، مع ضميره، مع إلهه تكالبت عليه جموع الغرب ومن الجهات الأربع، وتداعوا عليه كما يتداعى الأكلة إلى قصعتهم، والسبب إدراكه العميق لما استلبه الغرب، وتعريفه الأدق لما يعنيه، وأنَّ الغرب فكر موجود في عمق الشرق، لكن إدارته الموجودة في أقصاه تقوده إلى ما يسمى لدى الشرق غرب، والأمثلة ليست بالكثيرة في عالم الغرب المسيطر من قلبه، والذي يتهم من يخالفه بالمارق والشاذ والشر المستطير، ويتشابه مع المتشددين من المتدينين الذين يتهمون الخارجين عنهم بالمهرطقين والمتزندقين والكفرة الأشرار أمثال سورية، كوريا، إيران، كوبا، فنزويلا، وضمن المخطط الخفي روسيا والصين.
غربٌ لا يهدأ في مخططاته، وآليات تنفيذه تسير بدقة للاستيلاء على كامل الحياة الأرضية والكونية، فهل ندرك ما طرحه سيِّد وطن مهم جداً يعتبر رمزاً من رموز حياة الشرق الذي قدم معنى وفلسفة جديدة عن مفاهيم الشرق والغرب؟