من دفتر الوطن – خدعة الدولار

| حسن م. يوسف 

أعترف لكم أن علاقتي بالمال كانت دائماً علاقة احتقار متبادل؛ فعندما يكون جيبي ممتلئاً به أحتقره، وعندما يخلو جيبي منه يحتقرني! والحقيقة أن علاقتي بالمال غالباً ما كانت ملتبسة ومحفوفة بغموض غير مريح ناجم عن مزيج من سوء الفهم وسوء التفاهم!
في عام 1986 توقفت في روما في طريق عودتي من مهرجان فالنسيا لسينما حوض البحر الأبيض المتوسط، ونزلت، لبضعة أيام، في ضيافة الدبلوماسي السوري الصديق سمير القصير الذي كان آنذاك قنصلاً في السفارة السورية قبل أن يصبح سفيرنا هناك. يومها استوقفني طقم صغير أصفر في واجهة أحد المخازن فأردت أن أشتريه لابنتي مايا التي كانت في السنة الثانية من عمرها، فوجئت بثمن الطقم المرتفع فقال لي الصديق سمير: «الدولار نازل». لكنني صدمت عندما وصلت إلى دمشق واكتشفت أن سعر الدولار قد تضاعف أكثر من مرتين أثناء سفري!
يومها قصدت الصديق الدكتور عالم الاقتصاد رزق اللـه هيلان وطلبت منه أن يفسر لي لغز نزول الدولار في إيطاليا وارتفاعه عندنا. قال لي رزق اللـه وعيناه الذكيتان تضحكان: افترض أنك تهبط في مصعد ينزل بك بسرعة كبيرة وفي الجهة المقابلة لك يوجد مصعد آخر يهبط ببطء، كيف سيبدو لك المصعد النازل ببطء؟ يومها لم ينتظر رزق اللـه إجابتي، قال: سوف يبدو لك المصعد النازل ببطء كما لو أنه يرتفع! إنها النسبية يا عزيزي!
تذكرت ما سبق أمس عندما رأيت شخصاً يقبل ورقة من فئة مئة دولار ويضعها على جبينه كما كنا نفعل في طفولتنا مع الخبز عندما يقع على الأرض! لست أعرف الرجل لكنني متأكد من وجود الآلاف من أمثاله الذين يقدسون ورقة الدولار، لذا سأكرس بقية هذا المقال كي أثبت لهؤلاء أن الدولار ما هو إلا وسيلة شيطانية لجعل أميركا تستأثر بالقسم الأوفر من ثروات العالم. تم إصدار الدولار الأميركي عام 1792 أي بعد ستة عشر عاماً من استقلال أميركا وكان يقتصر على ثلاث فئات معدنية، دولار من الذهب وثان من الفضة وثالث من النحاس.
عندما اندلعت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب عام 1861، لم تشأ حكومة الشمال أن تجازف بما لديها من الذهب والفضّة. فأصدرت الدولار الورقي من دون رصيد وفرضت التعامل به، ما أدى لحصول تضخّم هائل عالجته عام 1879 بأن أعادت تغطية الدولار الأميركي بالذهب; بحيث صار بمقدور المواطن استبدال دولاراته الورقية الخضراء بالذهب عندما يشاء. وقد استمر هذا الحال حتى وقوع الكساد العظيم ما دفع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت إلى إلغاء تغطية الدولار بالذهب عام 1933. وبعد خروج أميركا منتصرة من الحرب العالمية الثانية كانت تمتلك بمفردها 75% من ذهب العالم، وكان الدولار الأميركي هو العملة الوحيدة المُغطاة بالذهب، لذا أرادت أميركا أن تنشئ نظاماً جديداً فدعت لعقد مؤتمر بريتون وودز عام 1944 بمشاركة 44 دولة. وقد تمخض ذلك المؤتمر عن تأسيس نظام الصرف الأجنبي، وإنشاء صندوق النقد الدولي.
خلال حرب فيتنام قامت أميركا سراً بطباعة دولارات غير مغطاة بالذهب، وقد افتضح الأمر عام 1971 عندما أعلنت الحكومة الأميركية عجزها عن تلبية طلب شارل ديغول بتحويل ممتلكات البنك المركزي الفرنسي، وقدرها 191 مليوناً من الدولارات الورقية، إلى ما يقابلها من الذهب. وفي عام 1973 ألغى نيكسون التزام الولايات المتّحدة بتحويل الدولارات الأميركية إلى ذهب، وبدأت أميركا تحصل على خيرات العالم مقابل دولارات لا تساوي سوى الورق الذي طبعت عليه!
يقول رجل الأعمال كيفن أوليري: «المال هو جيشي، كل دولار جندي. أنا لا أرسل أموالي إلى المعركة غير مستعد ومن دون دفاع، أنا أرسلها كي تنتصر، وتحضر لي أسرى من العملات الأخرى»!
المضحك المبكي هو أن جل عملات العالم باتت أسيرة لدى الدولار الذي ما هو في الحقيقة سوى خدعةٍ من يجرؤ على الوقوف في وجهها يُعْدَم، ومن لا يصدق فليسأل صدام حسين ومعمر القذافي.