من سيعود إلى حضن الآخر.. سورية أم جامعة الدول العربية؟

| نعيم إبراهيم

بعد أن أصبحت جامعة الدول العربية، مجرد مرآة لزمن الانحطاط العربي، باتت أسئلة اللحظة العربية الحرجة تطفو اليوم على السطح بوتيرة متسارعة حول مستقبل العرب وجامعتهم المفترضة في ظل اشتداد تكالب قوى العدوان والاستعمار على القصعة العربية المتآكلة أصلاً نتيجة محاولات تقسيمها وتفتيتها إلى ما بعد الدويلات والكانتونات الجغرافية والطائفية.
بقعة ضوء جديدة تحمل في طياتها أملاً بتصحيح مسار العلاقات البينية العربية تمثلت بدعوة وزير الخارجية الجزائري، عبد القادر مساهل، إلى عودة سورية لجامعة الدول العربي، قائلاً في حديث خاص لمراسل «RT» في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثانية والسبعين في نيويورك «لدينا علاقات تاريخية مع سورية وندعو لعودتها إلى الجامعة العربية».
سبق هذه الدعوة تصريحات وزير الخارجية المصري، سامح شكري مؤخراً، التي قال فيها إن الأزمة السورية مقبلة على تسوية سياسية، و«كل الدول ابتعدت عن الحل العسكري» النور إلى نفق قطيعة الجامعة العربية لسورية.
بغداد أكدت من جانبها في أكثر من مناسبة، التشبث بالتضامن العربي، وأن الجامعة العربية حاضنة للعمل العربي المشترك وأي خلافات يجب استئصالها.
فهل آن الأوان لهذه الجامعة أن تؤوب إلى الصراط المستقيم وتصحح خطأها التاريخي باستبعاد سورية عنها، تحقيقاً للهدف الصهيوني لأنظمة مجلس التعاون الخليجي وغيرهم، بانتحار الجامعة العربية وتفتيت دولها عبر مؤامرة الربيع العربي.
معلوم أن جامعة الدول العربية، قررت في 12 تشرين الثاني 2011 تعليق مشاركة وفود حكومة الجمهورية العربية السورية في اجتماعات الجامعة وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها اعتباراً من يوم 16 من الشهر نفسه، كما دعت الجامعة لسحب السفراء العرب من دمشق، وهو قرار غير ملزم للدول العربية.
الرسميات العربية التي عملت على تجميد عضوية سورية، وضخت المليارات وآلاف الأطنان من الأسلحة في إطار رهاناتها المدعومة أميركياً، اعتقاداً منها أن أيام القيادة السورية كانت معدودة جداً، وبدأت تستعد للاحتفال بإشفاء غليلها، خسرت هذا الرهان، ومن المفارقة أن الذين قادوا هذه الحملة في الجامعة العربية، وهما نظاما قطر والسعودية، خبا نجمهما، لاحقاً وباتا اليوم يبحثان عن استدارة تحفظ لهما ماء وجهيهما.
هنا لا بأس في التذكير بما حدده أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في شهر تموز الماضي، ما أطلق عليها، الثوابت الأربعة فيما يخص الأزمة السورية وذلك من منطلق أن هذه الأزمة هي بالأساس أزمة عربية.
– الأولى: تأييد كل ترتيب أو اتفاق أو جهد يكون من شأنه حقن دماء السوريين وحماية المدنيين وإدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.
– والثانية: رفض أي ترتيبات من شأنها أن تؤدي إلى تقسيم سورية أو الإخلال بوضعيتها كدولة موحدة.
– والثالثة: إن سورية المستقبل يجب أن تكون صاحبة سيادة حقيقية على أراضيها ولا مكان فيها للجماعات الإرهابية أو للمقاتلين الأجانب.
– والرابعة: إن أي ترتيبات مؤقتة يتم اتخاذها، على أهميتها الكبيرة في وقف نزيف الدم، لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المسار السياسي لتسوية الأزمة السورية بصورة شاملة وفقاً لمقررات جنيف.
استناداً على ما سلف يمكن التأكيد أن انتهاك ميثاق الجامعة العربية، وضرب هدفها الإستراتيجي -في الحفاظ إلى كيان دولها واستقلالها ضد أي عدوان خارجي وتحقيق وحدة التراب العربي في المدى البعيد- في الصميم كان واضحاً في القرار الذي اتخذته الجامعة إبان تعرض سورية للمؤامرة الكونية عليها- بديلاً عن مؤازرتها والوقوف بجانبها- بانحسارها عن فعاليات الجامعة العربية، فكان عاراً من الرسميات العربية، تلك التي صاغت القرار «كالسعودية وقطر ودول مجلس التعاون الخليجي» وكذلك التي امتنعت عن التصويت لا فرق.
لقد تغيرت أشياء كثيرة منذ بدء الأزمة السورية قبل أكثر من ست سنوات باستثناء الجامعة العربية، وعقلية بعض الرسميات التي ترفض أن تعترف بهذا التغيير، وأبرز ملامحه وجود اتفاق دولي على بقاء القيادة السورية، وإعطاء الأولوية لمحاربة الإرهاب.
فالرئيس بشار الأسد لم يسقط، واستعاد الجيش السوري الكثير من الجغرافية السورية. أما المعارضة التي أرادت بعض الرسميات العربية والدول الغربية أن تعطيها مقعد سورية في الجامعة، ها هي تجلس راهناً على المائدة نفسها وجهاً لوجه مع وفد الحكومة السورية، بعد أن كانت تعتبر الجلوس، أو الحديث معها خيانة عظمى لا تغتفر.
إن الوضع السوري ما زال يتسم بالسيولة، وما زال النقاش السياسي للتسوية لم يستكمل بعد في أستانا وجنيف، بانتظار انتهاء الحسم العسكري من الجيش السوري وحلفائه. ومن المؤكد أن سورية أصبحت في موقف قوي الآن للعودة للجامعة العربية والصحيح عودة هذه الجامعة إلى دمشق التي ربما أصبح الاعتذار لها واجباً من أجل العودة لحضن الجامعة.
لا نأتي بجديد عندما نقول إن عودة سورية إلى الجامعة العربية، يقطع الطريق على كل المؤامرات التي تبغي الكيان الصهيوني في قلب الأمة أمراً واقعاً بل وقائداً لشرق أوسط جديد، تلك المؤامرة إن تحققت قد تنهي الأمة العربية وتفكك مفاصلها. لذلك فإن عودة سورية للجامعة العربية هو بمثابة عودة الروح إليها والتأكيد على عروبتها. وأن الجامعة العربية دون سورية هو مدعاة لانهيارها أو صهينتها، بما يؤثر على القومية العربية بكل قيمها وتلاشي كل دور قومي لها بما يؤدى إلى زوالها وتحولها إلى رفات وذرات تراب تتناثر في الهواء.
لقد حان الوقت لتتبنى كل البلاد العربية وليس الجزائر ومصر والعراق فقط عودة سورية إلى الجامعة العربية حتى لو أدى ذلك إلى غضب الإدارة الأميركية وحلفائها الذين يأتي على رأسهم الكيان الصهيوني. وخاصة بما تمثله سورية من ثقل في محيطها العربي والإسلامي وبوابة الوجود العربي والقومي في المنطقة، فضلاً عن مواقفها المميزة تجاه القضايا القومية في معركتها ضد مؤامرات الربيع العربي والشرق الأوسط الكبير والجديد واحتلال فلسطين وأراض عربية أخرى، لأن الغرب وحلفاءه لا يريدون جامعة عربية ولا مؤسسة عربية أخرى تجمع تحت سقفها العرب وتوحّد كلمتهم، بل يريدون إغراق الساحة العربية بالفوضى والفتن والإرهاب لأنه طريقها الوحيد لتزعم الأمة ولتصفية القضية الفلسطينية وفق مخططات الامبريالية الأميركية والصهيونية العالمية والرجعية العربية.