من دفتر الوطن – الحياة بالتظاهر

| زياد حيدر 

في مقصورته الخشبية، المخصصة للعموم، كان العجوز يتباهى بابنه بكلمات من ذهب. يتحدث بما تناقله عنه زملاؤه الجنود في الخندق، وهو ينتشل مسمار القنبلة اليدوية بأسنانه، الواحدة تلو الأخرى، ملقيا إياها بعيداً، في وجه الأعداء. لا يتوقف العجوز عن الكلام، بينما تستمع سيدة وزوجها، بخيال مفتوح عن أرض المعركة المعتمة، ألسنة النار، الروائح الكريهة للأجساد والبارود، والشباب التي ترمي بنفسها بالمقدمة، دفاعاً عنهم، عنا، عن مساحة الأرض الآمنة المتبقية.
يتابع الأب التباهي بابنه، ممسكاً بوسام للشجاعة التي تفانى بها نجله، وإن لم يتسنّ له تعليقه على صدره. كل ذلك، وفقاً للقصة السوفييتية، التي لا أذكر تماماً إن كانت لمكسيم غوركي.
حياتنا، أو حياة أغلبيتنا، أو أغلب حياتنا، تستمر بالتباهي، والتظاهر. والصفتان، ليستا من صفات الاستعراض، الذي يميل لعقد النقص وتعقيدات أخرى، أكثر منه للصفات العامة المشتركة، والعميقة في البشر.
الاستعراض، صفة سلبية، غالباً ما تسببت بمآس كبيرة وصغيرة، ونشهدها يومياً هنا بمظاهر فاقعة، بينها إطلاق النار في التشييع والأفراح، مروراً بالثياب الفاخرة، والأسلحة المتدلية على الخصر، مع السيجار، على حين تنتظر العربات المزينة والمفيمة في الخارج، مستعرضة قوة المال، والنفوذ، والحرس الذي بدوره يتوزع حولها مستعرضاً حمايته لهذه القوة.
ذلك بينما يمر العابرون، متظاهرين، بأن لا شيء غريباً، أو بـ«أننا لا نرى، ولا نسمع». تمشي الفتاة لدينا، متظاهرة بأنها لا تسمع المعاكسات المتكررة، في طريقها ذهاباً وإياباً، ذلك أن مكاناً ينتظرها يخلو ربما منها، فتتوقف عن التظاهر بأن شيئاً لم يكن.
يستلقي المصطافون على الشاطئ، وظهرهم للدخان الذي يتصاعد من سفوح الجبال، يعلمون أن ثمة حريقاً كبيراً في بساتين الزيتون، وأنه مفتعل، و«لكننا بعيدون»، ونستطيع أن نتظاهر أن الدنيا بخير، وأن ثمة من يقوم بواجبه، هنالك في البعيد.
تضع الناس بينها وبين الواقع، فلاتر عدة. تسمكها، وتغمقها، وتفتح خلالها الثقوب، تبعاً للفرق بين كل شخص ونفسيته. لكننا عموماً، نفضلها، فهي تنقي الواقع اليومي المكرر، من تنغيصاته التي لا حل لها. فهي «ستفرج يوماً ما»، و«الله بيعين» و«الولد بيجي ورزقته معه»، «وعلى قدر نواياكم ترزقون»، و«ولا يصح إلا الصحيح»، وغيرها من الترنيمات السحرية التي تجعلنا نستمر في العيش والمشي وصولاً لعملنا، أو بيتنا، أو حتى المقهى.
نحتفل بالموت، باعتباره، نقلة لحياة أخرى، فهو وإن لم يثبت من هذا شيء بعد، استمرار لقدرة الإنسان على الحياة، مرة بعد مرة، حتى الخلود.
كانت جدتي، وبعد كل دفن لميت، يافعاً كان أم عجوزاً، تردد أمامنا، إننا ننسى حقيقة الموت، وظلمة القبر، بمجرد ما ندوس الإسفلت خارج تراب المقبرة.
هذه طبيعتنا، البشرية، ولا غنى عنها، نتظاهر بالتجادل، بقصص متدرجة من سيلفي مسرحي، حتى استفتاء تقرير مصير، وخلفنا بأمتار قليلة أحياناً، الواقع، لا نراه سوى من ثقب صغير، أشبه بثقب رصاصة، تصعد عبره أقمارنا ونجومنا إلى السماء، فننام، أو نتظاهر بالنوم هانئين، بأمان متأرجح دوماً.
في مقصورته الخشبية، وبينما بدأت السيدة وزوجها يهنئان العجوز بهذا الابن البطل، ذي الأوسمة، ما كان من الرجل إلا انفجر بالبكاء، صارخاً: «أنا لا أريد كل هذا، فقط أعيدوا لي ابني»