لعبة «نصيب» البريطانية

| علي محمود هاشم 

على الأرجح، ثمة ما استدعى ترحيبنا بـ«التغيير الإيجابي على الموقف الأردني» مؤخراً، التغيير المفترض، والرسائل التي ينقلها «لربما» الروسي عن اجتماعات «منطقة خفض التوتر» جنوبا، تزامنا مع أقاويل عن تسليم معبر «نصيب» الحدودي لسورية.
لا يجد المرء مهربا من قياس تصريحات المملكة «اللطيفة» مؤخراً حيال «نصيب»، بذاكرته المناقضة لأفعالها.. وفي سياق الفهم الممكن، تتبدى «لعبة المعبر» كأحد تجليات مراس العائلة الهاشمية في تسعير الأرقام قبيل الولوج إلى بازار المساعدات الخارجية دافعة أمامها تلميحات حيويته لاقتصادها، ولضرورات «المصداقية» هذه المرة، جندّت بعض «شقّيعتها» جنوبا لإعلان تبرّمهم من تضييقها عليهم لتسليمه.. هكذا، يتّسق الأمران في عملية تنويم إيحائي باتجاهين، الأول لتشجيع المانحين على فكّ جزادينهم ونقدها «وهو ما حظيت به قبل أيام»، أما الثاني فيخدم لعبة التخفّي مع الروس في مفاوضات «منطقة خفض التصعيد»!
من نافل القول إن الأردن ليست إلا أحد معابر السياسة البريطانية في شرق المتوسط، والحال كذلك، كيف يمكننا فهم «لطفها» مع سعي الأخيرة نحو تعزيز سلطة جبهة النصرة على الخطوط الحيوية للتجارة السورية جنوبا، عبر سحب «معتدليها» من عملاء مكتب مخابراتها الخامس نحو أقرانهم من عملاء الأميركي عند «معبر/ قاعدة» التنف الحدودية مع العراق، ومع حماية دور «الجبهة» في مناطق أخرى شمالا كمعبر باب الهوى غرب إدلب، عبر دفع «المرصد السوري لحقوق الإنسان» الذراع الإنسانية لمكتب مخابراتها السادس، في حملة إحراج للردّ الروسي القوي الذي طالت قوته «النصرة» الضاربة من «المهاجرين الأويغور» الصينيين هناك.. كل ذلك، له أن يكتسي تلميحات تدلل على أن بريطانيا في حالة مدّ تآمري شمالا وجنوبا، فلماذا قد نصدّق ذهاب عائلتها الهاشمية، في اتجاه معاكس؟!
واستدراكا، فاتهام الأردن بتسهيل سيطرة «النصرة» على المعابر بإيعاز بريطاني ليس جزافا، فمنذ نيسان 2015، ساعة ذهب «مدير» المنطقة الحرّة السورية الأردنية المشتركة لمساندة «غزوة» التنظيم عليها والتعمية على الأمر بالإيحاء أنها تمت على أيدي «عناصر غير معروفة» و-فقط- بهدف نهب بضع مئات ملايين الدولارات من البضائع والمنشآت.. حينذاك، انفتقت التقيّة الهاشمية، وبرزت ملامح القادم على الحدود قبل أن تنجلي الصورة كليا مطلع العام الجاري مع غزوة أخرى قادها «أمير أردني» آخر ومن داخل أراضي بلاده نحو الغرب من «نصيب»، بهدف تحييد الإحراج الذي قد تسببه مدينة «الرمثا» كبديل محتمل لطريق تجارة تحت السيطرة التامة للحكومة السورية، انطلاقا من «الجمرك القديم» جنوب حي المنشية بدرعا.
في مستجدات الأيام الأخيرة، ثمة ما يستدعي مستوى جديداً من الشكوك، فما نقل عن أحد «السوريين» الذين يتفاوضون «بالوساطة» مع سورية حول مستقبل المعبر، معلنا «صوابية فتح معبر نصيب تحت سلطة دمشق، لأسباب قانونية» وتقاسم «عائداته» بين سورية وبين المسيطرين على «المناطق المحررة» واضطلاع مسلحيها بـ«حمايته وما بعده باتجاه دمشق بعمق 18 كم»، تمهيدا لدخول 6 دول بينها بريطانيا وكندا وهولندا وبلجيكا نهاية العام للمشاركة في الإشراف على «الشؤون المدنية» جنوب سورية، كل ذلك، ورغم محاولته تلبّس الواقعية السياسية، إنما يستبطن مخاطر أشد عمقاً مما شهدناه حتى الآن عبر الجبهة الأردنية.
واقعيا، يفصح السيناريو آنفا عن ميل بريطاني للاحتفاظ بجنوب سورية عبر «النصرة»، ومن ثم شرعنة حضورها المباشر مع آخرين تشاركهم الدم الملكي «هولندا، بلجيكا..» أو يتبعون سلطة مستعمراتها «كندا..» ليتحقق لها ما عجزت عنه بالحرب: هيمنة مقوننة على أحد ممرات التجارة شرق المتوسط، وملامسة خطوط التابلاين الممتدة تحت مناطق سيطرة النصرة وداعش غرب درعا.. التابلاين ليس مزحة، فصدى أحلامه يتردد في بريطانيا إلى هولندا والأردن والسعودية وإسرائيل منذ 2011!
إلى الخلف من لعبة «معبر نصيب» تلوح لعبة أكبر، وما لم يتوقف ممثلو بريطانيا في المنطقة عن إهانة ذكائنا، ودفع «أمراء الثورة الأردنيين» لتسليم المعبر وممراته نحو دمشق من دون شرط، فلا طريق سوى المضي بأسرع ما يمكننا لإطلاق معبر مع العراق وقهر ممانعة الغرب التي يبديها مخفره الداعشي هناك.. لهذا الأمر أن يغلق أحلام شرعنة الحضور البريطاني على ظهر عملائها جنوبا، كما له أن يحرج اقتصاد الأردن بزجه في مواجهة مع ما يمثله معبر «طريبيل» العراقي الأردني كمنصة تبادلية بين البلدان الثلاثة.