استقبال فخم ونتائج متواضعة

| الوطن

في سابقة هي الأولى من نوعها زار ملك سعودي العاصمة الروسية موسكو، وحرص القادة الروس الذين أدركوا المغزى التاريخي لخطوة الملك سلمان بن عبد العزيز، على تنظيم استقبال فخم وودي لضيف بلادهم.
حملت الزيارة ضمن طياتها اعترافاً سعودياً بانتصار وجهة النظر الروسية في سورية والمنطقة، حيث تحول وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى داعية لـ«مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ولـضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والمؤسسات السورية»، بعد أقل من عام من مناداة الرجل بإسقاط النظام في سورية، ورحيل الرئيس بشار الأسد!
جاء الملك السعودي إلى الكرملين، على حين بلاده في أضعف حالة لها منذ توليه السلطة في شباط من العام 2015، فالمملكة غارقة في مستنقع اليمن ولا يبدو أنها قادرة على الخروج منه في الأفق المنظور؛ أما في سورية فقد خسرت الرياض رهانها على إسقاط النظام والإتيان بحلفائها في «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة، ولولا تدخل روسيا لإقامة منطقة «تخفيف توتر» في غوطة دمشق الشرقية، لانهارت ميليشيا «جيش الإسلام» سواء تحت ضربات الجيش العربي السوري وحلفائه، أم أمام صديقتها اللدودة ميليشيا «فيلق الرحمن»، المدعومة من قطر.
وفي لبنان، تضاءل النفوذ السعودي في البلاد، على حين لم تتمكن الرياض من التحول إلى طرف أساسي في بلاد الرافدين أسوة بإيران والولايات المتحدة، اللتين تتنافسان على تحديد مصير العراق.
وكانت آخر نقلة سعودية من أجل زيادة نفوذها في العراق والمنطقة، دعم الأكراد سواء في سورية أم العراق، قد أدت إلى استفتاء إقليم كردستان العراق.
وقد أسفر الاستفتاء عن عزلة الإقليم في المنطقة، وسط تحالف تركي إيراني عراقي تدعمه دمشق من أجل وأد الأحلام الانفصالية للرئيس مسعود البارزاني.
والسعودية بدأت تنحو باتجاه الواقعية في سياساتها الإقليمية منذ أواسط العام 2016 الماضي، ففي صيف ذاك العام أقرت الرياض بقوة حزب اللـه وحلفائه في لبنان، عندما قبلت بصفقة انتخاب رئيس «التيار الحر» ميشال عون رئيساً للبلاد، مقابل تولي حليفها رئيس تيار المستقبل سعد الحريري رئاسة الحكومة.
مع ذلك، طرق سلمان باب الروس مستخدماً ما تبقى لديه من أوراق قوة؛ فهو يعلم أن الروس يريدون استقرار أسعار النفط، وإعادة الأمن إلى سورية وإطلاق رحى الحياة الطبيعية فيها، وكلا الأمرين صعبان من دون الدور السعودي، فالسعوديون قادرون على مواصلة التلاعب بأسعار النفط، بما يعود بالضرر على الاقتصاد الروسي المكبل أصلاً بالعقوبات الغربية على خلفية الأزمة الأوكرانية، أما إعادة إعمار سورية فهي بحاجة إلى أموال تدرك روسيا أنها موجودة في دول الخليج العربية.
سلمان أيضاً، يدرك حاجة روسيا إلى تصريف منتجاتها من الأسلحة، وهو جاهز لشراء ما تنتجه مصانع السلاح الروسية، ربما ليس نتيجة حاجة المملكة أو اقتناعاً بقدرات الأسلحة الروسية، بل من أجل خلق مصالح مشتركة روسية سعودية تجعل موسكو أكثر مراعاة للرياض في المنطقة، وكيلا تذهب تلك الأسلحة من جهة أخرى إلى منافستها الإقليمية، إيران.
أما أكبر ورقة قوة بيد سلمان هي مكانة السعودية في العالم العربي والإسلامي، خصوصاً أن روسيا تحوي أكثر من عشرين مليون نسمة من المسلمين.
أما ما يريده سلمان فهو مساعدة روسيا في تحجيم منافسة بلاده إيران، وهو في سبيل الوصول إلى هذه الغاية استخدم أوراق بلاده بفعالية على الطاولة مع الرئيس فلاديمير بوتين، أولاً أقر بأولوية القوة الروسية في رسم ملامح التسوية السورية، ووقع العديد من الصفقات النفطية مع الشركات الروسية، كما وقع اتفاقاً مبدئياً من أجل شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية الأكثر تطوراً «إس 400»، لكنه ذكّر الروس بأن حجر أساس السياسة الخارجية السعودية هو علاقاتها مع واشنطن.
واضطرت موسكو إلى التأكيد أن مناقشة التعاون العسكري بين بوتين وسلمان ينبغي ألا تثير قلق دول أخرى.
ولم تأت تحركات سلمان من دون نفع على بلاده إذ وافقت أميركا على بيع نظام «ثاد» الصاروخي للسعودية في صفقة بنحو 15 مليار دولار، وذلك خلال وجود الملك السعودي في موسكو.
وتفتح الموافقة الطريق أمام السعودية لشراء 44 منصة إطلاق و360 صاروخاً ومحطات تحكم وأجهزة رادار، في صفقة ذكرت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون أنها «ستدعم الأمن القومي الأميركي ومصالح السياسة الخارجية، وستدعم أمن السعودية ومنطقة الخليج في وجه التهديدات الإيرانية وغيرها من التهديدات الإقليمية».
هكذا، استخدم سلمان في موسكو المال والنفط للوصول إلى مبتغاه، من دون أن ترد من الكرملين أي إشارة إلى ليونة روسية، ولذلك، لم تكن القمة ناجحة قياساً لأجوائها الودية والفخمة، فالروس أصروا على استمرار المعادلة السابقة التي نظمت علاقات البلدين فيما يتعلق بسورية، وهو تبادل الدعم السعودي لعملية أستانا التي تقودها موسكو، مقابل دعم روسيا لجهود الرياض في توحيد منصات المعارضة السورية كي تتمكن من دخول عملية جنيف، وأضاف البلدان على ذلك افتتاح خطوط التنسيق والتعاون الأمني للعمل المشترك ضد بقايا تنظيم داعش.
في المقابل، واجه الملك السعودي عرضاً روسياً للتفاوض مع إيران برفض لبق عندما أعلن أن «تحقيق السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وما تشهده من أزمات في اليمن وسورية وغيرها، يتطلب توقف إيران عن سياساتها التوسعية والالتزام بمبادئ حسن الجوار، واحترام الأعراف والقوانين الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى».