تيليرسون بين الهزيمة والغطرسة!

| تحسين الحلبي 

بدأت مؤشرات هزيمة المخطط الأميركي الإسرائيلي على سورية والعراق تظهر يوماً تلو آخر، وتتأكد من خلال ردود الفعل الرسمية الأميركية التي تتداولها وسائل الأنباء.
الإثنين الماضي صرح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في جلسة أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس وبصحبته وزير الدفاع جيمس ماتيس أنه «يفترض أن القوات الأميركية الموجودة في العراق سوف تبقى من أجل هزيمة داعش حتى لو طلبت حكومة بغداد انسحابها»، وهذا يعني أن واشنطن كما قال عضو لجنة العلاقات الخارجية السيناتور توم أودول ستبقى بشكل غير قانوني على غرار وجود وحدات أميركية في سورية، فرد تيلرسون قائلاً: «إن وجودنا في العراق بدعوة عراقية ورئيس الحكومة العبادي، لم نلاحظ أنه يريد الإسراع لكي نغادر»، وهذا النقاش يدل من دون شك على أن القرار الأميركي في مستقبل العراق بلغ درجة كبيرة من التآكل ولم يعد في مقدور واشنطن فرض سياستها على غرار ما حصل بعد احتلالها مباشرة.
أول مؤشر على هزيمة سياسة الهيمنة الأميركية في العراق كان ما نجحت الحكومة العراقية وجيشها وحشدها الشعبي في فرضه من سيادة على إقليم كردستان العراق واعتراف رئيسه المنتهية ولاياته مسعود بارزاني بخسارته وإعلان استقالته، وهو الذي كانت الإدارات الأميركية تعده من أهم الحلفاء، فقد وصفه جون هانا مستشار الأمن القومي السابق لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني «بالحليف الدائم والشريك الموالي للولايات المتحدة»، وكان القرار الأخير الذي اتخذه البرلمان والحكومة العراقية «بتجريم كل من يرفع العلم الإسرائيلي في إقليم كردستان العراق» ضربة شديدة القسوة على واشنطن قبل تل أبيب.
حذر نائب رئيس برنامج الأمن القومي الأميركي ميل أيويانغ في مركز أبحاث «الطريق الثالث» من بقاء القوات الأميركية في العراق إذا رفضت الحكومة بقاءها، لأنها ستعد «قوات غازية من العراقيين وستتحول إلى هدف من قوات الأمن العراقية على غرار داعش»، ووصف دعوة تيلرسون لبقائها بـ«الجنون» إذا بقيت من دون موافقة الحكومة العراقية، ورفضت الناطقة باسم وزارة الدفاع الأميركية دانا وايت إعطاء رد على «ما يفترضه» تيلرسون ويبدو أن «السحر» الذي أرادت الإدارة الأميركية استخدامه في المنطقة، بدأ ينقلب على الساحر نفسه، فالعراق لن يخضع بعد كل هذه التضحيات من أجل استقلال قراره وسيادته فوق أراضيه، ولم يعد كما كان من قبل، بعد أن حرر البلاد من داعش التي يعرف الجميع أن واشنطن وأجهزتها هي صاحبة الدور الأكبر في صناعتها من داخل منظمة القاعدة التي تسببت مع داعش بعشرات الآلاف من الشهداء من الجيش ومن الضحايا المدنيين.
هذا يعني أن وجود أي عدد من القوات الأميركية في العراق أو سورية سيشكل أرضية جديدة لابتكار مجموعات إرهاب تكفيرية من داخل داعش هذه المرة وبأسماء جديدة، بهدف استمرار الآلة الوحشية لفتنة الحرب الطائفية، وتدرك واشنطن أن مهمتها هي تنظيم مثل هذه المجموعات وأن مهمة بعض دول النفط العربية تمويلها لكي تستمر الإدارة الأميركية بتوجيه هذه المجموعات لتفتيت دول المنطقة.
ولن تهدأ هذه الآلة الوحشية إلا بانتهاء كابوس الوجود الأميركي في العراق وبأي شكل من الأشكال.
الجميع في هذه المنطقة، لا يمكنه نفي أن واشنطن كانت أول من أرسل السلاح والأفراد إلى تركيا بأموال قطرية وسعودية لغزو سورية عبر حدود تركيا، وهذا ما كشفه نيكولاس ج. س. ديفيس أمس في المجلة الإلكترونية «أنتي وور» حين استشهد بمؤلف كتاب «الفريق السري للسي آي إي» فليتشير براوتي بأن وكالة المخابرات المركزية هي التي أرسلت الوكلاء الإرهابيين إلى سورية والعراق في عام 2011، وبدأت طائرات تحمل الكثيرين منهم مع أسلحتهم إلى تركيا، ثم إلى حدود سورية والعراق وبدأت بعد فترة بتوزيع الأسماء عليهم وكأنهم ليسوا من القاعدة، ومن بعد ذلك داعش، وتوسعت المخابرات الأميركية في نقلهم إلى إفريقيا، وهذا ما اضطر الأمم المتحدة إلى وضعه في تقرير لها باسم «رحلة إلى التطرف» بشهادة أكثر من 500 مسلح جرت مقابلتهم.