هل انحسرت غيمة الصيف؟

| عبد المنعم علي عيسى

لم تكن المهمة الفرنسية في تأمين نزول ولي العهد السعودي عن الشجرة مهمة سهلة، ولذا فقد جاءت الطريقة المعتمدة أشبه بمن «جاء ليكحلها فعماها»، فمشهد وصول رئيس الوزراء اللبناني إلى باريس يوم السبت المنصرم لم يكن عادياً، وهو يشي بالكثير، سواء أكان لتركيبة مرافقيه، أم لجهة من التقاهم لحظة وصوله، وعلى الرغم من الكثير من عمليات «الميك آب» إلا أن الصورة ظلت فاقعة و«الندبات» الحاصلة، كان من الصعب إزالتها عبر عمليات التجميل حتى الجراحية منها.
الإخراج المسرحي الفرنسي للمشهد الذي اتسم بالكثير من الضعف، لا يعود سببه إلى نقص في الكفاءة التي يملكها المخرج، وإنما يعود إلى أن الرياض لم يكن وارداً لديها الاعتراف بانتصار العنق على السكين، فكيف الأمر إذا ما كانت تلك العنق ليست هي الأولى، ولذا فقد كان تجرع مرارة الهزيمة صعباً على الرغم من قطع السكر الفرنسية المساعدة، ولم يكن أمام وزير الخارجية السعودي إلا أن يقول في المؤتمر الذي عقده مع نظيره الفرنسي الأربعاء الماضي: إن الحريري هو مواطن سعودي تماماً كما هو مواطن لبناني، ولربما ظن أن على الآخرين إتمام تلك العبارة بتتمتها الطبيعية بالقول: ولذا فإن من الجائز أن يتعرض للاعتقال والسجن أيضاً، لكنه لم يشر إلى أن استدعاء رئيس الوزراء اللبناني إلى الرياض كان قد تم بناء على جنسيته السعودية أم بصفته رئيساً لوزراء لبنان؟!
لم تكن التسوية الفرنسية واضحة المعالم، وهي تحمل بين ثناياها الكثير من التناقض مع المعطيات التي أفرزتها استقالة الحريري، فأن يتم الإعلان عن أن هذا الأخير سوف يعود إلى بيروت قريباً بل في يوم الأربعاء المقبل ليحضر عيد الاستقلال الوطني، كما قيل، فذاك أمر يسقط أهم الركائز التي قامت على أساسها استقالته من منصبه، والتي تتمثل بتعرض حياته للخطر إذا ما بقي في لبنان، وعلى الرغم من أن جميع الأجهزة اللبنانية كانت قد نفت تلك المزاعم، إلا أن الإعلان السابق يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن الأمر لا يعدو أن يكون من ضرورات المشهد، وإلا فما الذي تغير الآن لكي يقرر الحريري العودة، وفي النهاية فإن حفظ الحياة أهم بكثير من كل المناصب أليس كذلك؟
تشكل المرحلة ما بين 2 إلى 4 آذار من العام الماضي حلولاً لكلمات متقاطعة في هذا السياق، ففيها تم وضع حزب اللـه على لوائح إرهاب مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، على التوالي، وبدا أن المطلوب أميركياً هو استهدافه، وعلى «الكل» اتباع الخطة الموضوعة، ومن الواضح أن هذه الأخيرة هي الآن في مرحلة إخراج سيوف «ذوي القربى» من أغمادها بعدما تأكد فشل «الأبعدين» في القيام باجتثاث «الخطر»، على حين هؤلاء الأخيرون باتوا يدركون أن المحاولة من جديد سيكون من شأنها أن تطلق العد العكسي للدور والكيان الإسرائيلي إذا ما كان مصيرها الفشل، ولذا فإن الحسابات يجب أن تكون من النوع الذي لا يدركه الخطأ، وهو ما يؤكده إعلان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت لموقع «إيلاف» السعودي الخميس الماضي بأن لا نية لدى إسرائيل في مهاجمة حزب اللـه، فالحسابات كما يبدو لم تكتمل والثغرات لم تغلق ثم إن تل أبيب لا يمكن لها أن تهاجم حزب اللـه بطلب سعودي، وربما كان ذلك امتيازاً تحمله واشنطن فقط.
ما عادت السياسات تقيم اعتباراً لعمليات إماطة اللثام عن الوجوه، ولا بات التستر وراء الأقنعة أمراً مهماً، وربما تأكد لدى من كان يفعل، أن الشارع العربي برمته قد أضحى خارج الخدمة، أو أنه فقد أدنى درجات الخصوبة والحيوية التي كان يتمتع بها، ولم يعد يشكل مصدر تهديد للمشروع الغربي في المنطقة، وربما كان في الأمر الكثير مما يدعو إليه، ولابد من الاعتراف بأن المشروعات التي كانت تهدف إلى تدجيننا، قد نجحت وبدرجة امتياز أيضاً، ولا يهم هنا، أو يشكل مسوغاً، ذكر حجم الجهود أو الأموال المبذولة، أو تفوقية الأدوات المستخدمة في المشروع، فكل ذلك كان موجوداً في تجارب سابقة، وفيها استطاعت شعوب المنطقة الحفاظ على هويتها الحضارية والثقافية والقومية في مواجهة أعتى أنواع الحروب والاستهداف.
غيمة لبنان الصيفية، كما وصفها قادة تيار المستقبل، لم تنجل ولا مقدر لها أن تفعل قريباً، ما دامت روح المغامرة التي تعيشها السعودية هي السائدة، والتوصيف الأخير هو لوزير الخارجية الألماني الذي أضاف بأن استمرارها لا يمكن السكوت عنه، وإلى ذلك الحين ستبقى الغيوم السوداء تجول المنطقة لا السماء اللبنانية فحسب.
شيء وحيد في ظل كل هذا السواد أو التشاؤم يمكن أن يشكل عامل تفاؤل على المدى البعيد، وقد يعطي دفعاً معنوياً كبيراً هو أن بني سعود لم يتحالفوا مع أحد إلا وكان مصيره الهزيمة، فهل يكون مصير حليفهم الجديد، إسرائيل، كسابقيه؟

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!