من دفتر الوطن

الصدمات الكهروسياسية!!

| عبد الفتاح العوض

كيف نواجه «صدماتنا».. هل ننهار أمامها أم نستطيع أن نتخلص من توابعها وآثارها بعد فترة؟
بالتجرية التاريخية لم نستطع أبداً أن نحول الصدمات التي تعرضنا لها إلى فرص للقوة، بل كنا نخرج منها أضعف في كل مرة.
نظرية الصدمة تقوم على فكرة بسيطة جداً مضمونها أنه في حال تعرض مجتمع لصدمة مثل حرب أو زلزال أو انهيار اقتصادي فإن هذا المجتمع تحت حالة الصدمة يقبل أي شيء ومستعد لتقديم تنازلات في القضايا التي كانت تعتبر بالنسبة له «مقدسة» أو ممنوعاً الاقتراب منها.
أحد منظري نظرية الصدمة عالم اقتصاد وليس عالم سياسة وهو ميلتون فريدمان: الذي قال «وحدها الأزمة –الواقعة أو المنظورة- هي التي تحدث تغييراً فعلياً».
يقول أيضاً: في وقت ما في الأزمة تصبح السياسات المستحيلة هي السياسات الحتمية «أي يقبل المجتمع ما كان يرفضه سابقاً.. بل يعتبر المرفوض سابقاً هو الضرورة والحل».
سيدة كندية اسمها نعومي كلاين ألفت كتاباً عن عقيدة الصدمة تربط فيه بين الصدمة الكهربائية والصدمة الاقتصادية والسياسية.. حسب كتاب كلاين فقد نشأت عقيدة الصدمة في الخمسينيات من القرن العشرين في مجال الطب النفسي، إذ تعاونت وكالة الاستخبارات الأميركية مع الطبيب النفسي الكندي البارز أيوين كاميرون ومولت أبحاثه في استخدام الصدمة الكهربائية على أدمغة المرضى النفسيين بهدف تحويل أدمغتهم إلى صفحة بيضاء لإعادة كتابة المعلومات الملائمة عليها.
القاسم المشترك بين الصدمة الكهربائية والصدمة السياسية أن الصدمة الكهربائية تجعل الدماغ خاوياً وصفحة بيضاء وعلى حد تعبير واحدة ممن أجريت عليهن تجارب الصدمة الكهربائية أنها أدركت شعور حواء بالفراغ.
بينما الصدمة السياسية تريد تحويل المجتمعات إلى صفحة بيضاء بلا تاريخ وبلا ماضٍ وبلا مقدسات ومن ثم يمكن أن تجعلها عجينة تصنع بها ما تشاء.
في السياسة يقولون «الوقت الأفضل للاستثمار هو حين يكون الدم لا يزال على الأرض».
السؤال هل تعرضنا للصدمة والدم لايزال على الأرض فعلاً؟
حسب نظرية الصدمة فإن المجتمعات تصبح قابلة لتقديم التنازلات الصعبة في الأزمات… ويبدو أن كل الصدمات التي نتعرض لها هي في واقع الأمر لتقديم كل التنازلات… لاحظوا قرار ترامب ليس إلا تنفيذاً فعلياً وأولياً لتجربة التنازلات. إنها تجربة على المجتمع العربي لمعرفة ما إذا أصبح فعلاً مستعداً لتقديم التنازلات بعد صدمات «الربيع العربي!».
لكن الشيء المهم أنه بعد أن تصحو المجتمعات من تأثير الصدمات، كيف تتصرف وكيف تعالج ذاتها؟
لا أتحدث عن سورية فحسب، فلهذا وقت آخر وحديث مملوء بالشجون لكن أتحدث الآن عن المجتمعات العربية التي لا بد أنها أدركت حجم الأزمات التي تعرضت لها وحجم الكوارث التي عانتها، بعد أن أدركت ذلك: هل لديها القدرة على إعادة ترتيب أوراقها وأولوياتها من جديد؟
لقد تعرضنا خلال العقود الأخيرة لمجموعة من الصدمات كلها بغاية إعادة المجتمعات لما سمته كلاين «العصر الحجري» حيث يبدأ العالم «المتحضر» تعليمنا كيف ننسى مقدساتنا وأسماءنا ونتحول إلى عبيد مبرمجين على الطاعة.
ثمة مقولة: الضربات التي لا تميتني تقويني… ليتها تصبح الصدمات التي لا تميتني تقويني.

آخر الكلام:
الصدمة قد تفعل بك شيئين.. إما أن تدمرك، وإما أن تصنع منك شخصاً أقوى تصعب هزيمته، والاختيار متروك لك.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock