من دفتر الوطن – قطار العمر السريع!

| عصام داري 

ألقيت خلف ظهري للتو تسعاً وستين عاماً، هي كل حياتي الماضية، وهأنذا أبدأ بنحت السنة السبعين على أمل أن تكون لوحة جميلة بكل الألوان، أو منحوتة جميلة أضعها في متحف الحياة.
لا أنظر إلى الخلف إلا لأستعيد تلك اللوحات، أو بعض المشاهد المتناثرة التي عبرها قطار العمر مسرعاً ولم أتمكن من تجميدها عند لحظة فرح، أو حذفها عند لحظات حزن حفرت أخاديد عميقة في الذاكرة والروح.
لست آسفاً على أي محطة عبرها هذا القطار السريع، ولا على أي خيار أو درب اخترته بإرادتي أو رغماً عني، ليس لأني مقتنع بصواب خياراتي ودروب حياتي، بل لأنني ببساطة غير قادر، الآن ولا في الأمس، على تغيير سكة القطار.
وأنا على قناعة بأنني سأواصل السير قدماً ومن دون تخطيط مسبق لمشواري في الحياة، أليست حياتنا مجرد مشوار مهما طال أو قصر، كما قال سعيد عقل الذي أمضى على هذه الأرض مئة وسنتين، ثم رحل: «ومشوار جينا عالدني مشوار»؟!.
كل يوم يمر، كل ثانية، صارت من الماضي، هذه فلسفة الحياة التي كثيراً ما أشرت إليها في كتاباتي على مدى سنوات، ثواني حياتنا تصبح تاريخنا بكل تفصيلاته، نتذكرها بفرح حيناً ونسمي تلك الأوقات بالزمن الجميل، ونتذكر أحزاناً بدمعة غدرت الأجفان وتلألأت كحبة لؤلؤ على الخد.
نبحث عن ذواتنا طوال عمرنا، قد نصل إلى ضالتنا، وقد نتوه في الدرب، وقد نقنع أنفسنا بالتوقف عن البحث لإراحة البال والفكر والجسد.
تعلمت في مدرسة الحياة أشياء كثيرة، كلها مفيدة، فالحياة مختبر كبير جداً، لكنك لا تستطيع تكرار التجارب، فكل تجربة مفيدة، ناجحة كانت أم فاشلة، وأنا من المؤمنين بأن الحياة أكبر وأوسع وأرحب من أن ندخل في أضيق الزوايا، ونبحث فيها عن أصغر الأمكنة، ولا نرى فيها إلا الجانب المظلم، وماذا بعد الظلمة؟، وهل بعد الصحراء صحارى لا حدود لها من دون أمل حتى بحلم من سراب؟.
تمضي الحياة كتوالي الفصول، الليل والنهار، من ربيع إلى صيف تنسج حكايتنا على الأرض، تحلو الأيام، أو تزداد مرارة لا يهم، ويأتي الخريف ليعلن أن الشتاء والزمهرير على الأبواب، وعلينا تقبل زمهرير الشتاء والعمر معاً، وكما قالوا: لكل مرحلة عمرية حلاوتها، فهل هكذا هي الحياة؟
لا أستعرض شريط حياتي كنوع من النرجسية المذمومة، بل كي أرسم خريطة طريقي عبر الزمن، وألخص بعض فلسفات الحياة، وأي إنسان لديه من التجارب ما يستحق التأمل.
لذا فإنني أرى أن الحب والفنون بأشكالها، من أدب وشعر وموسيقا ورسم ونحت وتمثيل، كلها تشكل الجانب المفرح من حياتنا، ومن لا يعط كل هذه الأمور أهمية في مسيرته، ومشواره في الحياة، فسيواجه الكثير من المصاعب وسيرافقه القلق والضياع وينساه الفرح.
فإذا كنا قادرين على صنع الفرح حتى من العدم فلماذا نستدعي ونجتر الأحزان؟ وإذا كان بمقدورنا أن نشعل الشموع فلماذا نفضل العيش في العتم والترويج للظلمة وتكريسها أسلوب حياة؟.
و.. يطول الكلام ولا تتسع الصفحات، لكنني بدأت بنحت عامي الجديد كي أراه جميلاً.