جدوى الاسم

| د. اسكندر لوقــا

في الزمن الراهن، كما في كل الأزمنة التي سبقت، ثمة رغبة لدى كل فرد منا أن يكون له ذكره بعد رحيله عن دنياه. وفي هذا الإطار كثيراً ما قرأنا ونقرأ عن علماء وأدباء وفنانين، بحثوا ويبحثون عن مرافق تضفي بهم إلى دروب الشهرة، تلك التي سوف تجعل ذكراهم باقية على مر العصور بعد رحيلهم عن دنياهم إلى ما وراء الحياة.
إن مثل هذه النزعة في حياتنا لا تقتصر على الرجال من دون النساء، ذلك لأنها نزعة شمولية، لا تتعلق بالجنس أو العرق أو اللون أو المكان. لأن الشهرة تبقى عامل جذب يشد إليه الباحثين عنها، وقد يصلون إلى نهاية الدرب أو لا يصلون. ومن هنا لا يتوقف المرء عن السير على الدرب، بأمل الوصول إلى مقعده الذي سيجلس عليه، بغض النظر عن ترتيبه فوق سلم الشهرة، وكانت غايته فقط حضور اسمه في ذاكرات الأحياء بعدد غيابه عنهم بالجسد.
ولكن ماذا عن الذين يغادرون الحياة وفي ذاكرة الحياء من بعدهم ما لم يحقق غايتهم من الشهرة على النحو الذي أرادوه أو كانوا يريدونه؟ ماذا عن الذي حمل السلاح واعتدى به على الأبرياء من دون أن يكون هناك أدنى ذنب؟ وماذا عن الذي حمل الفأس وشوه به معالم أثر قد لا يمكن أن يستعاض؟ وماذا عن الذي اقتحم بيت الآخر وزرع الخوف في قلبه وقلوب أفراد عائلته؟ وماذا عن الذي اقتحم متجراً وسرق محتوياته بدافع الحقد؟ ماذا وماذا عن كل هؤلاء الباحثين عن الشهرة على حساب الاعتداء على البشر والحجر والشجر فقط إرضاء لشهوة القتل والتدمير والاغتصاب في نفوسهم المريضة والمشوهة بفعل الترغيب أو الترهيب؟
إن التاريخ لا يمكن أن يسجل أسماء أمثال هؤلاء في سجل الأوفياء للبشرية، في سجل الذين أضاؤوا شمعة لينيروا بها طرقات من حولهم. هؤلاء سيذكرهم التاريخ بوصفهم أعداء التاريخ، وأمثال هؤلاء في سجلات التاريخ كثر، بدءاً من قابيل وصولا إلى نتنياهو، مرورا بكل الذي أجرموا بحق التاريخ، فكانوا أسماء ستبقى تتردد على ألسنة التاريخ بوصف أصحابها من شرائح القتلة والمجرمين وأعداء الحياة.
في هذا السياق أتذكر قولاً لأبي العلاء المعري [937- 1057] ما مات كلَّ الموت من عاش منه اسم.
وبهذا الاعتبار لن ينجو أحد من شريحة المجرمين من حكم التاريخ. وستبقى اللعنة تلاحقهم في قبورهم ما دامت أسماؤهم حاضرة في الذاكرة البشرية وما دامت الحياة تدور في فلكها الأبدي.