الدور الروسي المزدوج بين المقاتل والوسيط

| مازن جبور

في وقت تلعب فيه روسيا دور المقاتل والوسيط في الأزمة السورية، فإن واشنطن تأخذ دور المتفرج، ما سيقود لاحقاً إلى عودة معظم وكلاء أميركا في الحرب على سورية إلى دمشق عبر الوسيط الروسي، وهذا سيكون «الشعرة التي ستقسم ظهر البعير» فيما يخص مصداقية واشنطن ودورها في الشرق الأوسط، وهو ما أقرت به وكيلة أميركا في المنطقة، إسرائيل، ومن ثم فإن الحرب على سورية غيرت الميزان الإستراتيجي للقوى الدولية في الشرق الأوسط بشكل أساسي، ودائم.
ونظراً لأن النظام الدّولي هو نمط من التفاعل بينَ الفاعلين الدّوليين في مختلف المجالات، والتفاعل المقصود هنا هو طبيعة العلاقات بينَ الدّول، وانطلاقاً من ذلك فإن النظام الدولي هو الأداة التي تساعدنا على فهم علاقة القوة بين دول العالم، وتوزيع هذه القوة بينها، وهذا يقتضي معرفة الأسس والمبادئ التي تقوم عليها العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام الدّولي بحيث تكون علاقة تأثر وتأثير متبادل.
إن دور دولة ما في النظام الإقليمي ودرجة إسهامها في تفاعلاته قد تتغير، الأمر الذي يغير تحديد دول القلب والأطراف من مرحلة إلى أخرى.
وللدور مدخلات داعمة تعبر عنها مجموعة المتغيرات، منها: المتغير الجغرافي، والمتغير الاقتصادي والمتغير العسكري والمتغير السياسي، وتفاعل هذه المتغيرات يغيّر الأساس في تحقيق الدور الإقليمي والدولي وتحقيق غايات السياسة الخارجيّة.
انطلاقاً مما سبق، فإن دور سورية كقوة إقليميّة ينبع من المستوى القيمي والاقتصادي والعسكري والموقع الجغرافي، ومن خلال حضورها في أزمات الشرق الأوسط بشكل قوي، وتمتعها بإمكانيات تسمح لها بلعب دور إقليمي فاعل، بناء على الظروف الإقليمية والدوليّة الحاليّة، وذلك من خلال النظر إلى الموقع الجيوستراتيجي الذي تمثله سورية والبعد القيمي الذي امتلكته روسيا كقوة إقليمية داعمة لحلفائها الإقليميين في وجه الهيمنة الأميركية الغربية.
أمَّا بالنسبة للأحلاف الدوليَّة وأهميتها في تحويل الدولة إلى قوة عظمى، فإن اختيار دولة طريق الأحلاف ليس مسألة مبدأ وإنّما مسألة ملاءمة، إذ إن موقع الدّولة ضمن النظام الدولي، وأحلافها ضمن هذا النظام، يشكلان عاملين مهمين جداً في بروز دولة ما كقوة إقليميّة.
لقد تدرجت عودت روسيا إلى النظام الدولي بدءاً من استعادة أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من جورجيا لتقفا إلى جانب الاتحاد الروسي في العام 2008، ومن ثم مارست روسيا دورها كند للولايات المتحدة عبر المؤسسات الأممية التي تشكل الإطار للنظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك باستخدامها المتكرر للفيتو لوقف مشروعات القرارات الأميركية الغربية بحق سورية، وصولاً لاستعادة جزيرة القرم في ظل معركة الشرق الأوسط انطلاقاً من سورية، لتتوج معركتها السياسية تلك بالدخول إلى سورية، وهو قرار مواجهةٍ مع حلف شمال الأطلسيّ لتنهي بذلك مرحلة التفرد العسكريّ الأميركي.
من اللافت بمكان، أنه خلال الأسبوع الماضي سقطت طائرات تابعة لروسيا، تركيا، إيران وإسرائيل بنيران معادية، الأمر الذي يترك إرهاصات حرب باردة جديدة تسود في سورية وأي تصعيد سيمهد الطريق لحرب إقليمية أو عالمية تؤكد حقيقة أن القوى العظمى حاضرة بشكل مباشر على الأرض وليس من خلال وكلائها كما كانت عليه الحال سابقاً.
وفي الوقت الذي تمكن فيه الجيش العربي السوري والقوات الرديفة والحليفة من القضاء على تنظيم داعش الإرهابي والاقتراب رويداً رويداً من حسم ملف الإرهاب عبر ضرب جبهة النصرة الإرهابية في معقلها الرئيس في محافظة إدلب وتطويق باقي الميليشيات المسلحة دون جيوب قابلة للانقباض فقط وليس لديها أي إمكانية في التمدد، فإن القتال ما يزال مستمراً بين اللاعبين الرئيسيين المتخاصمين في الميدان السوري لصياغة آخر نتائج هذه الحرب، في ظل دور روسي متحكم بزمام توازن القوى، عبر لعب دورين رئيسيين، دور المقاتل ودور وسيط السلام، ولعل سقوط الطائرات الذي حدث الأسبوع الفائت جعل كلاً من تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة تنظر لروسيا لتخفيف تصعيد التوتر.
إن سعي كل قادة كيان الاحتلال الإسرائيلي عبر عقود ماضية خلت لنقل أزماتهم الداخلية وتحويلها لأزمات خارجية، الأمر ذاته سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه اتهامات بالفساد، لاستغلال الفرصة ليظهر كبطل الأمن القومي الإسرائيلي، عبر فك حلف سورية إيران العراق روسيا، فقدم اقتراحات لروسيا خلال زيارته الأخيرة في محاولة منه لدق إسفين بين موسكو وطهران.
لكن ما ظهر من فعل حقيقي بإسقاط الطائرة الإسرائيلية المعتدية يؤكد أنه ليس أمام إسرائيل أي خيار سوى أن تقبل بقوانين اللعبة الروسية، ولعل الأيام المقبلة ستشهد تحليقاً لطيران كيان الاحتلال وتنفيذ عمليات عدوانية جديدة وذلك بهدف أن تقدم إسرائيل نفسها على أنها «تستطيع» على الأقل أمام الرأي العام في كيان الاحتلال، ولكن ومع ذلك عليها توخي الحذر، فعلى الرغم من أن روسيا تسيطر على الأجواء السورية ولا تتصدى للطائرات الإسرائيلية، إلا أن الجيش العربي السوري لن يوفر أياً من تلك الطائرات، سيسعى إلى إسقاطها جميعاً.
ما سبق قد يدفع بإسرائيل إلى نقل ميدان المواجهة من الأجواء السورية إلى لبنان، وهذا من الممكن أن يشعل حرباً أخرى على طول الحدود بين كيان الاحتلال ولبنان وقد تنتقل الحرب إلى ما وراء تلك الحدود، الأمر الذي سوف يكون موضع خلاف بين روسيا وإسرائيل أيضاً.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!