دمشق ومحاولات الانقلاب على سوتشي!

| بسام أبو عبد الله

يتساءل كثيرون عن مغزى المؤتمر الصحفي الذي عقده معاون وزير الخارجية والمغتربين يوم الثلاثاء الماضي، وأكد من خلاله أن سورية ملتزمة فقط «بما تم التصويت عليه في مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي» وأنه لا علاقة لها بأي مخرجات لم يتم التصويت عليها من المؤتمرين، وخاصة ما يخص «لجنة مناقشة الدستور» التي حدد بيان سوتشي مهامها وولايتها وعدد أعضائها، على أن يكونوا حكماً من المشاركين في سوتشي، وبالتالي سورية ليست معنية بأي لجان ليست سورية سورية تشكيلاً، ورئاسةً، وحواراً.
والأهم في كلام معاون وزير الخارجية أن «مؤتمر سوتشي لم يعط مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا أي سلطة على الإطلاق» مشيراً إلى أن مسودة مشروع بيان سوتشي تتضمن فقرة ختامية تتحدث عن إعطاء دور لـدي ميستورا يخالف مبدأ المؤتمر الذي يقوم على أن القرار يجب أن يكون سورياً سورياً دون أي تدخل خارجي، وبالتالي، والكلام لمعاون وزير الخارجية أيمن سوسان: «فإن أعضاء المؤتمر رفضوا هذه الفقرة، وصوتوا بأغلبية الأصوات على حذفها، وكان بين الحضور ممثلون عن فريق دي ميستورا أثناء عملية التصويت شهوداً على رفض السوريين أن يكون هناك أي وصاية على أي قرار سوري»، والخلاصة أن الحكومة السورية ليست ملزمة إلا برأي المجتمع السوري، ولاسيما أن المشاركين عكسوا تمثيل شرائح واسعة منه.
الحقيقة أن كلام الخارجية السورية جاء ليقطع الطريق على محاولات دي ميستورا للسطو على مخرجات مؤتمر سوتشي، والإدعاء أن المشاركين في مؤتمر سوتشي فوضوه بأن يعمل على تشكيل اللجنة الدستورية، والتي ستقوم بصياغة مشروع الدستور، ولإيضاح الالتباس الحاصل، أو محاولة السطو، فإنني عدت لكلام دي مستورا في 30 كانون الثاني الماضي أي بيانه الذي ألقاه في سوتشي، في نهاية أعمال المؤتمر، وقبل أن يجف حبر البيان الختامي المعدل، ماذا قال، وسأذكر الأشياء المهمة فقط:
1- سجلت باسم الأمم المتحدة، وباسم الأمين العام انطونيو غوتيريش بأنكم قد تبنيتم في بيانكم الختامي اليوم المبادئ الاثنتي عشرة التي وضعت في العملية السياسية بجنيف، والتي تصف رؤية لسورية ينبغي أن يتسنى لجميع السوريين أن يتقاسموها.
وهنا لم يشر دي ميستورا إلى التعديلات التي أدخلت من المؤتمرين على هذه المبادئ، أي ما يتعلق بالجيش، ومحاربة الإرهاب، وغيرها من الفقرات، والأهم حذف الفقرة الخاصة بمناشدة المؤتمرين للأمين العام للأمم المتحدة بتكليف موفده الخاص إلى سورية للمساعدة في عمل اللجنة الدستورية في جنيف!
2- خلصتم إلى أنه يجب التوصل إلى اتفاق نهائي في عملية جنيف التي تقودها الأمم المتحدة بشأن ولاية اللجنة الدستورية، واختصاصاتها وسلطاتها، وقواعدها الإجرائية، ومعايير الاختبار المتعلقة بتكوينها، وقد سمعت مناشدتكم، وهو أمر لم يحصل، بأن توكل هذه المهمة إلى الأمم المتحدة لإنشاء لجنة دستورية، كما سجلت أيضاً أن المؤتمر: وفقاً للبيان الختامي الذي صيغ بعناية، قد أيد وضع قائمة بأسماء الممثلين لغرض العضوية في اللجنة الدستورية.
3- عاد دي ميستورا في بيانه للقول إنه سيتشاور على نطاق واسع باعتبار أن ذلك هو الطريقة التي علينا أن نعمل بها بما في ذلك مع السوريين الآخرين، وبما يتفق مع القرار 2254، وأشار إلى أنه سيعمل قدماً لوضع جدول زمني، وإجراءات في جنيف، لعملية صياغة مشروع الدستور، ثم إنشاء لجنة دستورية لتباشر عملها، وفقاً للتفويض الممنوح له بموجب القرار 2254، وليشير أخيراً إلى أن جميع السوريين يسعون لإيجاد بيئة آمنة، وهادئة ومحايدة تجري فيها عملية صياغة الدستور!
بتاريخ 2 شباط الجاري وفي اللقاء الصحفي في نيويورك مع الأمين العام للأمم المتحدة قال غوتيريش ما يلي: «لقد جاء حضور الأمم المتحدة لسوتشي على أساس تفاهم مشترك بين الأمم المتحدة وروسيا الاتحادية حول طبيعة المؤتمر، ومخرجاته، ومساهمته في مسار جنيف»، وأضاف: «سأركز على ثلاث نقاط أساسية في البيان الختامي لسوتشي»، وكرر نفس النقاط التي ذكرها دي ميستورا في بيانه بسوتشي في 30 كانون الثاني، أي إن المؤتمرين أقروا النقاط الـ12 التي طرحها سابقاً دي ميستورا كرؤية للحل، ولم يشر إلى التعديلات التي أدخلها المؤتمرون، وأن اللجنة الدستورية ستكون برعاية الأمم المتحدة وفقاً للقرار 2254، وأن المؤتمر أقر أن الاتفاق النهائي بشأن كل ما يتعلق باللجنة الدستورية سيتم عبر العملية التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف.
وللتأكد أكثر فقد عدت للموقع الرسمي لوزارة الخارجية الروسية لأطلع على نص البيان الختامي لمؤتمر سوتشي فتبين لي أن كل التعديلات التي أدخلها المؤتمرون لم تذكر أبداً، وأن ما نشر هو البيان المتفق عليه بين روسيا الاتحادية والأمم المتحدة من أجل ضمان مظلة دولية للمؤتمر على ما يبدو، كما أن الفقرة الخاصة في ختام البيان التي شطبت من المؤتمرين، والتي رفضت أن يكون هناك أي وصاية على أي قرار سوري، لم تشطب في البيان المنشور على موقع الخارجية الروسية.
انطلاقاً من كل ما سبق لا بد من وضع العديد من النقاط على الحروف، ومنها:
1- إن الذين حضروا مؤتمر سوتشي من كل مكونات الشعب السوري لم يذهبوا إلى هناك ليفوضوا أحداً بتحديد مستقبل بلدهم، وشكل نظامهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وخاصة أن كل القرارات الدولية كانت تؤكد حق الشعب السوري الحصري في ذلك.
2- إن محاولات السطو على اللجنة الخاصة بـ«الإصلاحات الدستورية» والتي هي من حق السوريين فقط، محاولة مكشوفة ومفضوحة، ذلك أن دور دي ميستورا، هو ميسر ومسهل، وليس وكيلاً عن السوريين، أو مفوضاً سامياً ليتحدث باسمهم، ويشكل لهم لجنة لصياغة الدستور، في حين أن ما فهمناه أن اللجنة خاصة بالإصلاح الدستوري، وبمناقشة دستور عام 2012 حصراً، حسبما أعلن رئيس لجنة الشؤون الدستورية في مجلس الشعب أحمد الكزبري في مؤتمر صحفي في سوتشي منعاً للالتباس.
3- إن عدم ذكر التعديلات التي أدخلها المؤتمرون على بيان سوتشي المتفق عليه كما قال غوتيريش بين الأمم المتحدة، وروسيا الاتحادية فيه «قلة احترام» للسوريين الذين ليسوا تحت وصاية أي أحد في هذا العالم، وإن الحرص على إنجاح مؤتمر سوتشي لا يعني أن تجري عملية إلتفاف على مناقشاتهم الماراثونية، وجهودهم التي بذلت، لأن المشاركين ذهبوا بروح منفتحة هدفها تهيئة بيئة جديدة للحل السياسي، وليس تفويض أحد للحلول محل السوريين.
4- إن لجنة الإصلاح الدستوري قد تم تحديد مهامها وولايتها وعدد أعضائها، على أن يكونوا حكماً من المشاركين في سوتشي، وبالتالي فإن ما يجري تداوله في أوساط دي ميستورا حول التفويض الممنوح لتشكيل اللجنة هو كلام مضلل، وانقلاب على مخرجات مؤتمر سوتشي التي أكدت أن اللجنة هي سورية سورية في التشكيل والرئاسة والحوار.
الآن، يبقى التساؤل الأهم: هل هناك محاولة باسم الأمم المتحدة، لفرض الوصاية الأممية حسبما ورد في بيان الخماسية المشؤوم، أي تفويض دي مستورا بتشكيل اللجنة الدستورية، وصياغة مشروع الدستور، حسبما قال، وما يروج له في أوساطه إن «مؤتمر سوتشي منحه أكثر مما يحلم به»، وإذا كانت هذه هي النوايا فعلينا أن نتوقع معركة سياسية دبلوماسية شرسة، وخاصةً أن واشنطن لا تريد أي حل سياسي قبل أن تكون قد أكملت غرز مخالبها على الحدود السورية العراقية، وفي شمال شرق سورية، وهو أمر لا يعني أن نستعجل الحل السياسي على حساب مبادئ أساسية وجوهرية لا يمكننا أن نتراجع عنها أبداً، ومنها أن الدستور «لن يكتب إلا بأيادي سورية، وبروح سورية ولمصلحة حاضر سورية، ومستقبلها»، أما الأصدقاء الروس فأمامهم سؤال لابد أن يجيبونا عليه بشفافية المحبين والمقدرين للدور، والعلاقة بين البلدين، والشعبين: أين ذهبت تعديلات السوريين على بيان سوتشي! ولماذا جرى تجاهلها!
التدقيق، والمتابعة تجري لأننا تعلمنا أنه لا يجوز أن نكرر خطأ القرار 242 بين أراض، والأراضي العربية المحتلة، لأن هذا هو مستقبلنا الذي سنعمل على بنائه لبنة لبنة، بعد كل هذا الصراع المرير، وأعتقد أن هذه هي إرادة السوريين بما فيها المعارضة الوطنية، وأجزم أن هذه الروح نفسها لدى الأصدقاء الروس، ولا تراجع عنها.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!