من دفتر الوطن – حكاية تفرض نفسها

| حسن م. يوسف 

اسمحوا لي أن أذكركم بحكاية «القطتان والثعلب» التي أحسب أنها تشكل قاسماً مشتركاً بيني وبين كل أبناء جيلي، إلا أنني سأعتذر سلفاً ممن يعرفون الحكاية، لأنني لن أرويها كما رويت لي، أو كما ترويها الجدات لأحفادهن. بل سأرويها كما هي حاضرة في لحظتي هذه، فأنا أومن أن واجب الكاتب هو أن يعطي للحكايات القديمة أجنحة جديدة كي تطير بها إلى وجدان قراء آخرين في أزمنة أخرى وأمكنة أخرى.
تدور الحكاية كما هو واضح من عنوانها حول قطتين الأولى بيضاء والثانية سوداء. كانتا تعيشان معاً، وذات نهار شتوي بارد، لم تشرق شمسه، خرجتا للبحث عن الطعام. وبعد أن أضناهما البحث وعضهما الجوع، صرخت القطة البيضاء: «أعتقد أنني أرى قطعة من الجبن».
انطلقت القطة السوداء إلى حيث كانت تنظر القطة البيضاء فعثرت على قطعة كبيرة من الجبن بالفعل، فحملتها وانطلقت مبتعدة بها، وفي نيتها أن تنزوي جانباً كي تأكلها بمفردها.
قالت القطة البيضاء: «قطعة الجبنة لي، لأني أنا من رأيتها أولاً».
قالت السوداء: «بل قطعة الجبنة لي أنا من وجدتها وحملتها».
اختلفت القطتان الصديقتان وتعالى صراخهما وسمع صياحهما ثعلب كان يمر في الشارع فعرج الثعلب ليعرف من القطتين سبب الخلاف الناشب بينهما، وحين قصت عليه القطتان قصتهما نصحهما بالذهاب إلى قاض حكيم مشهور بعدله وحكمته، يقيم عند شجرة بلوط كبيرة في مكان قريب.
أعجبت القطتان باقتراح الثعلب، وقررتا العمل به، فسارع الثعلب إلى حيث تقع شجرة البلوط وتنكر بزي القاضي بانتظار وصول القطتين مع قطعة الجبن.
قدمت كل واحدة من القطتين روايتها للقصة، فأجابهما الثعلب المتنكر في زي القاضي: «كلاكما على حق، والعدل يقضي أن تقسم الجبنة بينكما بالتساوي».
أحضر القاضي ميزاناً وسكيناً وقسم قطعة الجبن إلى قطعتين غير متساويتين. وحين رجحت كفة القطعة المجاورة للقطة البيضاء صاحت القطة السوداء: «انتبه أيها القاضي قطعتها أكبر من قطعتي».
قال القاضي: «أرى ذلك». وقضم لقمة من قطعة الجبن الكبيرة ثم أعادها إلى كفة الميزان فرجحت كفة الميزان الثانية. صاحت القطة البيضاء: «انتبه أيها القاضي لقد صارت قطعتها الآن أكبر من قطعتي».
قال القاضي: «أرى ذلك». وقضم لقمة من قطعة الجبن الثانية وأعادها لكفة الميزان.
أدركت القطتان أن هذه الطريقة في القسمة لن تبقي لأي منهما شيئاً فقالتا: «رضينا بهذه القسمة، أعطنا ما تبقى».
قال القاضي: «لا يكفي أن ترضيا أنتما، لا بد من أن ترضى العدالة».
وتابع عمله، لقمة من هنا وأخرى من هناك حتى لم يبق سوى قطعتين صغيرتين من الجبن حملهما القاضي وألقاهما في فمه أمام دهشة القطتين قائلاً: «وهذه أجرة القاضي».
لا أذكر على وجه التحديد متى قرأت أو سمعت هذه الحكاية لأول مرة، إلا أنني أتذكر بوضوح أنها كانت من أقدم ذكريات طفولتي كما أذكر أنها كانت تضحكني حد القهقهة. الشيء الغريب هو أن هذه الحكاية التي نامت في ذاكرتي طوال عمري، استيقظت من النوم عقب عودتي من سوتشي، لكنها لم تضحكني كما في السابق، بل ولدت في داخلي شحنة غريبة تشبه البكاء.