وراء القيصر.. ما وراءه

| عبد المنعم علي عيسى

كانت ردود الفعل الغربية الأولى على الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام نخب وفعاليات عدة يوم الخميس الماضي تريد التأكيد على أن ما شهدته العين الغربية لم يكن مفاجئاً، لكي لا تكون الضربة ضربتين، على حين جرى التشكيك لدى البعض في الغرب بإمكان وصول الصناعة الروسية إلى الحدود التي حاول بوتين إبرازها، أما البعض الآخر فقد وضع الحدث برمته في سياق سعي هذا الأخير لتلميع صورته وقيادته قبيل انتخابات الرئاسة التي ستجري في شهر آذار الجاري، ويستدل هؤلاء على نظريتهم تلك بأن الخطاب الذي ألقي قبل أيام هو خطاب جرى تأجيله ليكون على أقرب مسافة من الحدث الانتخابي إذ لطالما كان المعتاد هو أن يتم إلقاؤه في كانون الأول من كل عام، والمؤكد هو أن لكل تلك السياقات نصيباً في ذلك الحدث إلا أن حصر أهداف الخطاب وما احتواه بتلك الدوافع فيه إجحاف بل تبسيط للسياسات الروسية التي تعتبر بعيده كل البعد عن البساطة.
كانت إستراتيجية بوتين منذ وصوله إلى السلطة قبيل أسبوع من دخول الألفية الثالثة تقوم بوضوح على استعادة «المجد» الروسي الضائع، والمهم هو أن تلك الإستراتيجية نجحت في وضع الآليات الكفيلة للوصول إلى ذلك الهدف، وفي السياق كانت منظمة «شنغهاي» ثم «البريكس» قبيل أن يعلن عن بدء عصر الاستيقاظ الروسي في آب من العام 2008 عندما راحت القاذفات الروسية تدك رأس الحربة الذي دفع به الغرب في جورجيا لجس النبض وسرعة انتقال السيالة العصبية لدى القيادة الروسية في التعاطي مع ما يجري في محيطها الأقرب بعيد النجاح في اقتراب الناتو من الحدود التي كانت تعتبرها موسكو فضاء أمنياً لها، وعندما حدثت الأزمة السورية أعلن بوتين أن «استغفال» الغرب لروسيا في ليبيا لن يتكرر وربما كان ذلك الاستغفال بفعل التفاوت الجيوسياسي والجيوبوليتكي الكبير ما بين الجغرافيتين السورية والليبية وهو الذي وقف وراء تلك الحالة، وفي السياق أيضاً كانت هناك محطات عديدة مثل القرار بتخصيص 11 تريليون روبل لكي تتمكن روسيا من أن تصبح جسراً لنقل البضائع بين روسيا وأوروبا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا الخطاب الأخير ومخرجاته عن تلك السياقات وهو في صلبها بالتأكيد، إلا أن الحيثيات والتفاصيل التي بدت ملحة لخروج الحدث إلى السطح كانت عديدة وهي تبدأ عند نشر الدرع الصاروخية في المحيط الروسي الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى اختلال جديد بالتوازن المختل أصلاً لتصبح روسيا بوزن دولة أوروبية كبيرة مثل فرنسا مثلاً، كما وتعرج على قرار الناتو بالتمدد شرقاً نحو الحدود الروسية، وهو ما يمكن تلمسه عبر الرسالة التي تضمنها الخطاب والتي أرادت أن تقول: إن الدرع الصاروخية لم تعد ذات جدوى بوجود أسلحة لا يمكن لها اعتراضها، أما التمدد الناتوي فهو الخيار الصفر والتضييق على روسيا قد يكون لعبا بالنار في ظل امتلاكها لصواريخ قادرة على أن تضرب أي مكان في العالم، ولا تنتهي بالقول: إن الصناعة النوعية الروسية باتت تسبق نظيرتها الأميركية والغربية عموماً لجيل واحد على الأقل، إضافة إلى إمكان وجود دوافع أخرى مثل الضغط على البنتاغون الذي من المقدر له أن ينشر الشهر المقبل تصوره الدفاعي الصاروخي لإجباره على إحداث تعديلات فيه والراجح أن موسكو في ظل الاختراقات الكبرى التي حققتها في البنية الأميركية تدرك جيداً أدق التفاصيل في ذلك التصور.
إعلان عدم وجود مفاجأة لم يطل فبعد مرور ساعات أعلن الرئيس الأميركي والمستشارة الألمانية عن قلقهما تجاه «تباهي» بوتين بالقدرات الروسية، وبعيد ذلك كان ترامب قد أصدر توجيها بإقامة عرض عسكري ضخم في موعد أقصاه الخريف المقبل، والراجح كما تدل التصريحات هو أن أكثر ما يقلق الغرب هو الصاروخ «سامارت» ذي المدى 11 ألف كم والقادر على أن يضع أي هدف في متناول القبضة الروسية.
في العام 1983 أعلن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن عن مشروع «حرب النجوم» لوضع الاتحاد السوفيتي أمام خيار وحيد هو التخلي عن دور الدولة العظمى، كان في خلفية ذلك الإعلان رؤيا أميركية مفادها أن الاقتصاد السوفييتي مثقل بحمولات ستؤدي أي إضافات عليها إلى انكسار عموده الفقري، ولذا فقد كان القرار مصيبا بتوجيه الضربة القاضية التي سرعان ما تبدت مفاعيلها بعد بضعة أعوام، والسؤال الآن هل يمثل إطلاق بوتين لسباق تسلح جديد هو الآخر قراءة روسية دقيقة مفادها أن الحال الأميركية الآن تكاد تكون شبيهة بنظيرتها السوفييتية مطلع الثمانينيات من القرن الماضي؟ والراجح أن هذا احتمال قوي فالمؤشرات على الانحسار الأميركي عديدة وقد طفت على السطح مع الإعلان عن أزمة البنوك الأميركية آب 2008، كما تمظهرت في «بلطجة» أميركية فاقعة في «جباية» الإتاوات كما فعل ترامب أيار 2017 عندما قبض ثمن تغيير رياح «جاستا» لتكون وجهتها قطر ما يقرب من نصف تريليون دولار، ثم أن خلفية المشهد تدعو أيضاً إلى القلق ففي الأعوام الماضية برزت إلى السطح حدة في التفاوت ما بين الولايات المنضوية تحت راية الاتحاد الأميركي وهو يتعلق بدرجة التطور القائمة بين تلك الولايات والمعروف أن هذي الأخيرة شكلت على الدوام أساساً لاتحاد الكيانات في حال تقاربها، وأساساً لانفصالها في حال تباعدها.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!