من دفتر الوطن – بذور الازدهار المسمومة

| حسن م. يوسف

كلما التقطت القوى الحية في المنطقة العربية أنفاسها، وبدأت تدرك مصلحتها وتعمل لتعزيز كيانها، قام الغرب بتوجيه ضربة رادعة لها كي تنكص إلى الخلف، بمعدل فتنة أو حرب كل حوالي نصف قرن أو أقل.
في منتصف القرن التاسع عشر: «كانت دمشق ونطاقها وصولا إلى بيروت وحلب، مركزا من مراكز التجارة العالمية… بفضل ما سمّي بـ(نفط) ذلك الزمان، وهو صناعة الحرير والنسيج». يذهب المؤرخون إلى أن «… تلك الصناعة كانت في أوج ازدهارها في دمشق، ومنها يتم التصدير إلى الغرب والشرق، وقد بدأت بعض البنوك الأجنبية تفتح فروعاً لها في حلب ودمشق وبيروت إثر انتعاش الاقتصاد… وصارت دمشق تشكل أكبر مركز صناعي لإنتاج الحرير والاتجار به في العالم، إضافة إلى صناعة بقية أنواع الأقمشة والمنسوجات».
يشدد كل من أرخوا لتلك الفترة من الكتاب السوريين، على ازدياد «… اهتمام أصحاب المعامل الفرنسية بالحرير السوري بعد إصابة دودة الحرير الفرنسية بالمرض في موسم 1853، ولما تكررت الأزمة على نطاق أوسع عام 1856، أغلقت أربعة أخماس ورشات الحرير (الفرنسية) أبوابها بسبب عدم توافر الخامات. فبدأت فرنسا تستورد الحرير الخام من الصين وسورية واليابان وإيران، ولكن سورية كانت أقرب جغرافياً مما يجعل استيراد الحرير السوري بكلفة أرخص ومجهود أقل».
يرى المؤرخون أن دمشق قد تحولت في أواسط القرن التاسع عشر إلى أكبر منافس حقيقي لصناعة النسيج الأوروبية، بسبب مواكبتها لـ«… آخر التطورات التقنية الصناعية العالمية في ذلك الوقت، أي نظام الجاكار الميكانيكي الذي كان أول من أدخله إلى دمشق في خمسينيات القرن التاسع عشر الصناعي حنا بولاد وأخوته المشهورين بإنتاج حرير البولاديّة».
ولما رفض الصناعيون الدمشقيون أن يكونوا ذيلاً لصناعة النسيج الفرنسية، تنافست كل من فرنسا وبريطانيا في تصعيد حالة القلق والاضطراب التي أعقبت صدور ما يدعى مرسوم الإصلاحات «غولخانة» عام 1839، إذ قامت كل واحدة من هاتين الدولتين الاستعماريتين بفرض نفسها على السلطنة العثمانية كحامية لإحدى الأقليات! وتعمدت الدولتان تسميم الأجواء في جبل لبنان ودمشق لتكريس دورهما وتعزيز نفوذها، ما أدى لانفجار طوشة 1860، وكان أول ما حطمه «ثوار» تلك الأيام هو معامل النسيج التي يملكها أبناء البلد، أما التي يملكها الفرنسيون فقد ظلت سالمة!
المفاجئ هو أن صناعة النسيج السورية استطاعت خلال عشرين عاماً بعد أن دمرها (الثوار) أن تعود أقوى مما كانت قبل الفتنة، وهذا ما أزعج غرفتي تجارة ليون ومرسيليا فقامت كل منهما في العام 1915 بتوجيه رسالة إلى وزارة الخارجية الفرنسية تشجّعانها فيها على احتلال سورية ولبنان من أجل إلحاق سوق الحرير فيهما بسوق الحرير في ليون.
نعم لقد رفسَنا الغربُ الاستعماري عام 1860 وكرر ذلك بعد نصف قرن عام 1916، ثم كرر ذلك في العدوان الثلاثي عام 1956 وكرر رفسته عبر إسرائيل عام 1973 وها هي ضباع الغرب تكرر عدوانها المستمر علينا منذ سبع سنوات. ومع ذلك، لا يزال هناك من يحلو لهم أن ينخدعوا بوعودها الكاذبة.
عندما أراد بونابرت استعمار منطقتنا أعلن أن قضيته هي «تنمية بذور الازدهار النائمة من قرون، والعمل على اقتسام الجموع لما ليس اليوم غير امتياز محصور بعدد قليل من الناس… ونشر الحضارة في جميع أرجاء العالم البربرية وغير المتعلمة».
وها هو الغرب، منذ سبعة أعوام، يشن عدواناً جديداً مقنَّعاً علينا، بحجة «نقل الحضارة والديموقراطية والمدنية وحقوق الإنسان… الخ»! الشيء الجديد في هذه المأساة- المكررة هو أن صواريخ العدوان الثلاثي التي استهدفت عاصمة الأمويين وغير بقعة من ترابنا السوري، ليلة أمس الأول، قد دفع ثمنها إمعات الملوك والأمراء والحكام المستعربين العملاء.
فلا نامت أعين الجبناء!