دار الأوبرا تحتضن مئة عام على إقامة جمهورية أرمينيا الأولى … السفير الأرمني: كل ما جرى للأرمن تعيشه سورية منذ 7 سنوات

| سارة سلامة- ت: طارق السعدوني

إنها أرمينيا ذات التاريخ الممتد عبر العصور، فمنذ أن سكنها «هايك» أحد أحفاد سيدنا نوح وحتى يومنا هذا وأمواج الزئير والأنين تتابع تاركة بصماتها على صفحات تاريخ عريق شاع نور فجره في القرن السابع قبل الميلاد، ولم يتخاذل الشعب الأرمني يوماً في التصدي للأعاصير وظل يدافع عن أرضه وكيانه وهويته وثقافته، وفي كل مرة امتد فيها العدوان ليقتل ويدمر، كان الأرمني يلثم جراحه، لأنه يجثو إجلالاً لترابه ولذكرى شهدائه، وليس أمام من يحتل أرضه.
برعاية وزير الثقافة محمد الأحمد، وسفير جمهورية أرمينيا في سورية الدكتور آرشاك بولاديان، وبمناسبة مرور 100 عام على إقامة جمهورية أرمينيا الأولى، أقامت سفارة جمهورية أرمينيا في سورية وبالتعاون مع رؤساء الطوائف واللجنة المئوية الأرمنية احتفالية رسمية في دار الأسد للثقافة والفنون.

الوقائع تتكرر

وأكد السفير الأرميني الدكتور أرشاك بولاديان في كلمة له: «في هذا الشهر قبل مئة عام كانت أرمينيا الشرقية تعاني الجوع والفقر ومشاكل النازحين، إثر الإبادة الأرمنية في مطلع القرن العشرين وقرر العدو التركي تفكيك الأمة الأرمنية نهائياً، وفي تلك الأيام كانت الفرصة سانحة لشن عدوان جديد على أرمينيا، وبعد حشد قواتها هاجمت تركيا العثمانية أرمينيا من ثلاثة محاور، وبهذه اللحظات لم يكن أمام الشعب الأرمني أمل إلا بالقيام بمعجرة تنقذ الوطن من خطر الزوال، فإما النصر أو الموت، وهكذا قام الشعب الأرمني كرجل واحد واندفع إلى ساحات المعارك للدفاع عن كرامته وأرضه وعرضه، ونتيجة لتلك العزيمة القوية تكلل الصمود الأرمني بالانتصارات ودحر العدو التركي، وأسفرت تلك المعارك ووقوف الشعب الأرمني مع بعضه إلى ولادة شمس الحرية بقيادة الدولة الأرمنية، وهكذا تأسست الدولة الأرمنية على بقعة صغيرة وكانت تركيا العثمانية أول دولة في العالم اعترفت باستقلال جمهورية أرمينيا، وغالباً ما يقولون إن التاريخ يتكرر وأنا أقول كلا بل إن الأحداث والوقائع تتكرر والظلم يتكرر، وكل ما جرى مع الأرمن تعيشه سورية منذ نحو 7 سنوات، ولذا منذ بداية الأزمة وقفت جمهورية أرمينيا حكومةً وشعباً مع سورية ومع شعبها الشقيق وأعربت مراراً وتكراراً في المحافل الدولية عن مواقفها السليمة والمساندة لهذا البلد الصديق، وهي تناشد جميع الأطراف السوريين من الجلوس حول طاولة المفاوضات علماً بأن السبيل الوحيد هو الحوار الوطني السوري- السوري والتسامح».

حلم بناء دولة عصرية
بدوره قال وزير الثقافة محمد الأحمد في كلمة ألقاها خلال الافتتاح: «لدينا مثل يقول: (رب أخ لك لم تلده أمك)، وإذا أردنا أن نطبق هذا المثل على العلاقات بين الدول فأعتقد أن خير نموذج يمثله هو الصداقة القائمة بين سورية وأرمينيا، فهناك أشياء كثيرة تجمع بين دولتينا (كلتاهما صغيرة الحجم جغرافيا ولكنهما تمتدان عميقاً في التاريخ وتملكان ثقافة عريقة، وكلتاهما حكم عليهما القدر أن تقعا على مفترق الطرق الواصلة بين دول الشرق والغرب، فغدتا بذلك هدفاً للغزاة والطامعين. وكلتاهما عانى ما عانى من عسف الاحتلال العثماني، واقتطاع أراض لهما واسعة من الدولة التركية الغاشمة، وكلتاهما تحتفل هذا العام بمرور مئة عام على تأسيس كل منهما لدولتها الأولى، وهو احتفال فخور وحزين في الوقت نفسه، فخور لأن هذا التأسيس تم بعد معارك طاحنة مع المستعمر التركي، أبدى فيها أبناء الشعبين الأرمني والسوري شجاعة باسلة وإقداما لا مثيل له، وحزين لأن هذا التأسيس لم يتم على كامل التراب القومي وإنما على جزء منه فقد استولت تركيا على أراض واسعة من أرمينيا ومن سورية».
وأضاف الأحمد: «إن سورية كانت ضحية لتآمر الدولتين الاستعماريتين القديمتين فرنسا وإنكلترا اللتين عقدتا فيما بينهما اتفاقية سرية لتقسيم الأرض العربية، ما حرم سورية من أن تكون جزءاً لا يتجزأ من الدولة العربية الواحدة المنشودة، وكلتاهما، سورية وأرمينيا، تمد يدها للأخرى عندما تتعرض لمحنة أو كارثة، الأرمن لا ينسون للشعب السوري أنه احتضنهم عندما تعرضوا لعمليات إبادة وحشية وتهجير قسري من السلطات التركية، فلجؤوا إلى الأرض السورية، وأصبحوا جزءاً غالياً من أهلنا وأشقائنا ومواطنينا، فقدموا الكثير من الأعمال الجليلة في شتى المجالات، وبرزت منهم أسماء لامعة في مختلف حقول الفن والفكر والعلم والاقتصاد، والشعب السوري بدوره لا ينسى موقف الدولة الأرمنية الصديقة وقوفها معنا في هذه الحرب الكونية الشرسة التي تشن على بلدنا، ومناصرتها لقضايانا، ومشاعر الود الصادقة التي يكنها الشعب الأرمني لنا».
وبين الأحمد: «إنني لمست بنفسي دفء هذا الود ونبل تلك المشاعر بشكل خاص لدى الأرمن السوريين الذين اضطرتهم ظروف الحرب في سورية لمغادرة البلاد والانتقال إلى أرمينيا، وأحسست من خلال حرارة ترحيبهم ولقائهم بأن سورية تسكن في قلوبهم جنباً إلى جنب مع أرمينيا، وفي النهاية كلتاهما يجمعها حلم بناء دولة عصرية متقدمة، مستقلة الإرادة والقرار والمصير، تكفل لأبناء شعبها كل عوامل المنعة والرخاء، وإن العلاقة بين دولتينا وشعبينا هي مثال يحتذى حول كيف ينبغي أن تكون العلاقة بين البلدان وبين الشعوب، كذلك فإن العلاقة بين قيادتي بلدينا ستظل على الدوام نموذجاً ساطعاً للاحترام والثقة المتبادلين، وإن السيد الرئيس بشار الأسد قائد دولتنا وجيشنا المظفر، مهما كانت مشاغله، وخاصة في هذه الحرب الظالمة التي تشن علينا، يظل مهتماً بأدق تفاصيل حياتنا الفكرية والفنية، ومنها علاقاتنا الثقافية بالدول الصديقة، لأنه هو من أرسى سياسة النوافذ المفتوحة على الحضارات الأخرى والتفاعل معها تأثراً وتأثيراً».

شراكة الألم والمعاناة
من جانبه لفت معاون وزير الخارجية والمغتربين الدكتور أيمن سوسان إلى أن النزعة الطورانية التي هزمت قبل 100 عام أمام تصميم الشعب الأرمني ستدحر وتهزم في سورية التي يواجه شعبها وجيشها الباسل أدوات الحقد العثماني بالمزيد من الصمود والثبات وتسجيل الانتصارات، مبيناً أن العلاقات الأخوية بين الشعبين السوري والأرمني تشهد مزيداً من التطور وأن شراكة الألم والمعاناة من القاتل نفسه أضافت بعداً جديداً لهذه العلاقة التاريخية بين البلدين فتوحد وجدانهما ما يجعل العلاقة عصية على الانكسار.

التاريخ المشترك
أما رئيسة جمعية الصداقة السورية الأرمنية بمجلس الشعب الدكتورة نورا أريسيان فأشارت إلى أن تاريخ الأرمن سيكتب اسم العرب السوريين بمداد من ذهب، هذا ما قاله مطران الأرمن بدمشق قبل مئة عام أمام الأمير فيصل، وهناك عناصر عديدة تكمن وراء هذه العلاقات الوطيدة بين السوريين والأرمن وأهمها التاريخ المشترك الذي ربط الشعبين تحت نير العثماني، إنها الحاجة إلى الاستقلال والحاجة إلى الحرية من الظلم، وقد اختار الشعبان السوري والأرمني طريق النضال والعزة والكرامة، حين كان الأرمن يقارعون الموت على الجبهات وفي معارك شهر أيار التي باتت أساساً لاستقلال أرمينيا، كان العرب السوريون يقارعون أيضاً العثماني بطرده من البلاد ويناضلون من أجل الاستقلال».

ينهض من الرماد
وقال مطران الأرمن الأرثوذكس في دمشق وتوابعها المطران آرماش نالبنديان: «إن الشعب الأرمني عانى الكثير إلا أن ذلك لم يضعف من عزيمته وكان ينهض من الرماد في كل مرة، والأرمن ساهموا في بناء سورية التي احتضنتهم فشاركوا بكل إخلاص في التصدي للاستعمار، وتقلدوا العديد من المناصب في الدولة منذ أربعينيات القرن الماضي، وها هم اليوم يقدمون أوضح دليل بوقوفهم المشرف إلى جانب سورية في التصدي للإرهاب».

جمعتهما الآلام
وأوضح عضو مجلس الشعب الدكتور نبيل طعمة: «إن الشعبين الأرمني والسوري جمعتهما الآلام وتعمدوا العنف الطوراني ذاته قديماً، ومرت مئة عام مرت على ظهور أرمينيا الأول، وهي كشعب استثنائي أثر جلياً في حركة كوكبنا ودفعت الغالي والنفيس بعد أن خاضت أعتى المعارك وأضناها من أجل الوصول إلى تكوين حدود جغرافيتها وتحقيق استقلالها».
وتخلل الاحتفالية عرض فيلم وثائقي عن إقامة جمهورية أرمينيا الأولى من إخراج باسل الخطيب وفقرات غنائية تراثية أرمنية أداها كورال الحجرة التابع للمعهد العالي للموسيقا بقيادة المايسترو ميساك باغبودريان إضافة لفقرات تراثية أرمنية راقصة لفرقة ميغري التابعة لجمعية الجيل الجديد للثقافة والفنون.
وحضر الحفل وزيرة الدولة لشؤون المنظمات الدكتورة سلوى عبد اللـه وعدد من أعضاء مجلس الشعب وممثلو البعثات الدبلوماسية بدمشق وفعاليات دينية وثقافية واجتماعية وإعلامية.