روسيا وإيران وتركيا مسؤولة عن فضائها المشترك وهم معنيون بإرساء الاستقرار في المنطقة … بوبوف لـ«الوطن»: سورية تشهد ديناميات إيجابية تقربنا من نهاية الأزمة

| أنس وهيب الكردي

أعرب منسق مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا العالم الإسلامي»، السفير فوق العادة فنيامين بوبوف عن اعتقاده في أن الديناميات الإيجابية التي تشهدها سورية تقربنا من نهاية الأزمة فيها، لكنه امتنع عن التنبؤ بموعد لتلك النهاية، محذراً من أن بعض القوى الغربية تقوض في الواقع، عملية التسوية السياسية للأزمة السورية.

بوبوف وفي مقابلة مع «الوطن» أجريت عبر الإيميل، رفض الرأي القائل إن مفاوضات أستانا ما هي إلا مسرح لتقاسم مناطق النفوذ في سورية ما بين روسيا، إيران وتركيا، واعتبر أن هذه الدول مسؤولة عن فضائها المشترك وهي تعمل على إرساء الاستقرار هناك. ونبه من استمرار الصراع في سورية ما لم تتحقق وحدة البلاد، معتبراً أن مصالح السوريين أنفسهم لا تكمن في الصراع بل في التعاون لبناء دولة ذات سيادة، حيث تحترم حقوق جميع الأقليات القومية والدينية.
بوبوف، الذي يشغل منصب الممثل الرئاسي الخاص للعلاقات مع منظمة التعاون الإسلامي وغيرها من المنظمات الإسلامية الدولية، أكد على خصوصية العلاقة ما بين روسيا والعالم الإسلامي، مبيناً أن بلاده هي العضو الدائم الوحيد في مجلس الأمن الدولي الذي يتمتع بوضعية المراقب في منظمة التعاون الإسلامي، موضحاً أن المسلمين في روسيا هم مواطنون أصليون منذ زمن سحيق وليسوا مهاجرين، ولذلك اعتبر أن روسيا تشكل الصديق الأشد إخلاصاً للعالم الإسلامي بل إنهم يعتبرون روسيا جزءاً من هذا العالم.
ونبه بوبوف، السفير الذي تنقل في العواصم العربية دبلوماسياً وسفيراً لبلاده، إلى أن الصراعات التي يشهدها العالم الإسلامي تغذيها قوى من خارجه، محدداً القوى الغربية على وجه الخصوص، ووصف روسيا والعالم الإسلامي بـ«القطبين العالميين» مشدداً على أن مستقبل الفضاء الأوراسي بأكمله، يعتمد إلى حد كبير على الجمع بين هذين القطبين.
وتحدث عن فرادة سورية ووصفها بـ«مهد الحضارة الشرق أوسطية»، ورأى أن هذا البلد الذي يملك تقاليد التعايش السلمي بين الأمم والأديان المختلفة، بإمكانه أن يقدم مساهمة في تهدئة التوترات الإقليمية، إذا أظهر السوريون مثالاً في التوصل إلى اتفاقيات لتنظيم العلاقات بين مكوناتهم.
وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:

من وجهة نظرك، كيف يمكن للخبرة الروسية مساعدة العالم في خلق حوار مستدام بين الحضارات؟
– من المعروف أن هناك أكثر من 20 مليون مسلم يعيشون في روسيا، ومن المهم الإشارة إلى أنهم ليسوا مهاجرين، بل هم يعيشون في هذه المناطق منذ زمن سحيق. علمياً هم من السكان الأصليين في بلادنا. في بعض المناطق، يشكل المسلمون غالبية السكان، وبالتحديد في جمهوريات منطقة (نهر) فولغا وشمال القوقاز. وبشكل عام، يعتبر التفاعل التاريخي والتأثير المتبادل بين أتباع المسيحية والإسلام في روسيا الأساس الأهم في دولتنا. نحن نقدر بشكل كبير التنوع الثقافي والوئام بين الأديان الموجود في روسيا. بالطبع، بالنسبة لتاريخ طويل من دولتنا، كانت هناك فترات مختلفة، لكننا الآن تمكنا من تحقيق اتحاد مستقر وقوي بين ممثلي كل الديانات التقليدية في روسيا. أعتقد أن العالم الآن بحاجة إلى التجربة الروسية، أكثر من أي وقت مضى. بحسب ما أرى، فإن المناطق التي تعاني من صراعات عرقية أو دينية يجب أن تولي اهتماماً خاصاً لتجربة جمهورية تتارستان الروسية متعددة الجنسيات، حيث نصف السكان مسلمون، والنصف الآخر من المسيحيين الأرثوذكس. إنهم يعيشون في وئام وسلام تامين. علاوة على ذلك، إن تتارستان تقف بين أكثر جمهوريات الاتحاد الروسي، التي تنمو بشكل ديناميكي.

على الرغم من أن التاريخ المشترك بين الروس والمسلمين هو مثال للتعايش والتعاون متعدد المجالات، إلا أن البعض في العالمين العربي والإسلامي يركز على فترات الصراع ما بين روسيا والدول المسلمة. ما الإجراءات اللازمة لإحياء قيم التعايش؟
– أنا لا أميل لمثل هذه الاستنتاجات. لم تكن صراعات روسيا مع الدول المسلمة مستندة إلى العامل الديني. غني عن القول، إننا كقوة عالمية وجدنا أنفسنا متورطين في صراعات مختلفة، لكننا لم نعارض أبدًا القوى المسلمة. لن أتطرق إلى العلاقات بين المسيحيين والمسلمين داخل بلادنا، كما سبق لي أن ذكرت ذلك أعلاه. لم تكن هناك حروب دينية في روسيا أبداً ولن تكون كذلك أبداً. أستطيع أن أقولها وأنا متأكد حتى على الرغم من حقيقة إن لدينا كتلة سكانية مختلطة للغاية من الأمم والأديان المختلفة. لا نحتاج إلى إحياء أي شيء، لأن قيم التعايش موجودة بالفعل في بلدنا.
لقد أشار رئيسنا (فلاديمير بوتين) مرارًا وتكرارًا إلى أن روسيا هي أكثر حلفاء العالم الإسلامي إخلاصاً، ولقد أثبتنا ذلك عبر أفعالنا. نحن ندعم الجهود الرامية إلى إرساء الاستقرار في العالم الإسلامي، لأننا نحسب بلدنا، بحق، جزءاً من هذا العالم. لهذا السبب، أصبحت روسيا مراقباً في منظمة المؤتمر الإسلامي. أود أن ألفت انتباهكم إلى حقيقة أن بلدنا هو العضو الدائم الوحيد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي انضم إلى «منظمة التعاون الإسلامي».

لدى الرئيس بوتين وجهة نظره الخاصة حول العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي، فهل يستند في ذلك إلى رؤية ثقافية محددة أو مصالح روسيا الجيوسياسية في صراعها مع الغرب؟
– تعتبر العلاقات مع العالم الإسلامي واحدة من أهم التوجهات للسياسة الخارجية الروسية ولا يمكن أن تعتمد على أي عوامل خارجية، بما في ذلك تطور العلاقات بين روسيا والغرب.
تجمع روسيا والدول المسلمة قواسم مشتركة، أكثر مما يفترضه الكثيرون. نواجه تحديات مشتركة، كما لدينا آفاق عظيمة لحل مشترك لتلك التحديات. يمكن تسمية كل من روسيا والعالم الإسلامي قطبين عالميين منفصلين في عالم السياسة الحديثة، ومستقبل، ليس فقط الشرق الأوسط، بل الفضاء الأوراسي بأكمله، يعتمد إلى حد كبير على الجمع بين هذين القطبين.

ما أكثر العوامل المطلوبة لإقامة شراكة ثابتة بين الحضارات؟
– أهم شيء لإقامة شراكة ثابتة بين الأفراد، كذلك الحال بين البلدان، هو امتلاك النية الحسنة، والتحلي بالالتزام للحوار بينهم على قدم المساواة. إضافة إلى وجود الرغبة في الاستماع والإصغاء لبعضنا البعض. تعني كلمة «الشراكة» ذاتها وجود العديد من الأطراف التي يجب أن تتصرف، على الرغم من اختلاف سلطتهم وأحجامه، كمشاركين متساوين في الحوار. من المهم أن نفهم أن شراكة الحضارات ليس لها بديل.
فيما يتعلق بأنشطة المجموعة التي تنسق أعمالها، كيف تعتقد أن الصحفيين يمكنهم المساعدة في بناء شراكة بين الحضارات؟
– من الصعب المبالغة في تقدير دور وسائل الإعلام في العالم الحديث. نتعرف عبر الإنترنت، على جميع الأحداث التي تحصل في العالم. وفي كثير من النواحي، يتشكل موقف المشاهدين والقراء تجاه حدث ما، تحت تأثير الصحافة. اليوم، هناك الكثير من الحديث عن حروب المعلومات، أو ما يسمى «الأخبار المزيفة»، التي أصبحت ذريعة من أجل شن عمليات عسكرية. في هذه الظروف، من المهم للغاية تنسيق أنشطة المجتمع الصحفي من أجل نقل الحقيقة والمعلومات الصادقة المستندة إلى الوقائع، إلى سكان العالم كله. وأنا على يقين من أن العمل المشترك للمجتمع الصحفي في روسيا ودول العالم الإسلامي هو فعلاً منتج ومفيد للتصدي بفعالية لسياسة العنف، وتعزيز الحرية الحقيقية للتعبير والصحافة.

تنظم المجموعة منتدى سنوياً للصحفيين من الدول المسلمة، كما تتعاون مع مؤسسات في العالم الإسلامي لتوضيح شروط التمويل الإسلامي. ما خطط المجموعة للمستقبل؟

– نعم، بالفعل، تنفذ مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا-العالم الإسلامي» عدداً من المشروعات التي تهدف إلى تعزيز الثقة وبناء التفاعل بين الاتحاد الروسي والدول المسلمة في مجال الاقتصاد، الثقافة، العلوم والتعليم. تولي المجموعة الكثير من الاهتمام لقضايا الصيرفة الإسلامية وآفاق عملها في روسيا. إضافة إلى ذلك، ننشر الكتب وننتج الأفلام، ليس باللغة الروسية فقط، ولكن أيضاً باللغتين الإنجليزية والعربية. في الوقت نفسه، نحن منفتحون للتعاون وندعو شركاءنا من جميع البلدان المسلمة من أجل العمل معاً.

تعتبر سورية من أكثر الدول المعرضة للتهديدات بسبب التأثيرات السلبية لأي صراع بين روسيا والدول المسلمة، لكنها أغنى مكان للتسامح الفريد بين المسلمين والمسيحيين. ما الإجراءات التي ستعزز دور سورية في الحوار بين الحضارات وكيف يمكن لروسيا المساعدة؟
– في الواقع، سورية هي بلد ذو تقاليد متجذرة للغاية، فيما يتعلق بحسن الجوار بين ممثلي مختلف الديانات. إنها مهد الحضارة الشرق أوسطية، وبالتالي فهي تمثل رصيداً لا يقدر بثمن للبشرية جمعاء. هكذا، يجب علينا معاملة التراث الثقافي الغني لهذا البلد. لكن لسوء الحظ، تواجه سورية الآن تحديات خطرة، وأهم شيء في الوقت الراهن هو القيام بكل شيء لإرساء سلام واستقرار قويين وطويلي الأجل. أنا متأكد من أنه في هذه الحالة، فإن التجربة العظيمة لبلدكم المتعدد الجنسيات في مسائل التفاعل بين الأعراق والديانات ستكون مفيدة أيضاً لإرساء السلام المنشود. كما أن هذه التجربة مهمة أيضاً للعالم كله، والذي تكاثرت فيه الصراعات على المستويات الوطنية.

يعتقد العديد من المراقبين أن العالم الإسلامي يشهد نزاعات طائفية قد تؤثر في دوره في أي شراكة بين الحضارات. وبدورهم، أعرب المسؤولون الروس عن قلقهم إزاء المواجهة المشتعلة داخل العالم الإسلامي. هل لديك أي مقترحات محددة حول كيفية تخفيف حدة التوترات بين الدول الإسلامية؟ ما الدور الذي يمكن أن تقوم به سورية في هذا الصدد؟
– لقد ازداد عدد الصراعات في العالم الإسلامي. إذا حاولنا اكتشاف طبيعة هذه الاحتجاجات، فسنرى أنها تغذى قبل قوى من خارج المنطقة، قبل كل شيء، من القوى الغربية. أما الحضارة الروسية، فقد تم تشكيلها على أساس اتحاد العديد من القوميات حول الشعب الروسي. لذلك، فإن تفوق الثقافة الروسية معترف به عالمياً. أسماء تولستوي، تشيخوف، تشايكوفسكي، ومنديلييف معروفة على نطاق واسع.
– نحن ندعم الحوار ونقترح حل المشكلات من خلال المفاوضات. ترتكز عظمة الثقافة الروسية بشكل خاص على حقيقة أنه بموجب القانون لدينا 4 ديانات تقليدية رئيسية (المسيحية الأرثوذكسية، الإسلام، البوذية واليهودية). كانت الرابطة بين الأرثوذكسية والإسلام دائمًا أحد العناصر الأساسية في الدولة الروسية. أما عن سورية ، فإن هذا البلد له تقاليد التعايش السلمي نفسها بين الأمم والأديان المختلفة. القدرة على التفاوض هي عنصر أساسي في التعامل مع المشكلات. إذا أظهر السوريون مثالاً في الوصول إلى هذا النوع من الاتفاقيات (مسلمون مع مسيحيين وشيعة مع أهل السنة، إلخ)، فإن هذا سيكون له تأثير شاف على المنطقة بأسرها

«كيفية إنشاء نموذج جديد أو توازن لسورية جديدة»، لقد تسألت عن ذلك قبل عام، برأيك هذه «سورية الجديدة»، كيف ستكون؟
– هناك مبدأ معروف «فرق تسد»، جوهره بسيط، سهولة السيطرة على منطقة ليس فيها وحدة، حيث كل جزء يتشاجر مع الجزء الآخر وتسود الفوضى. لذلك، من أجل تحقيق استقرار حقيقي، من المهم الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها الإقليمية. أعتقد أن مصالح السوريين أنفسهم لا تكمن في الصراع بل في التعاون لبناء دولة ذات سيادة، حيث تحترم حقوق جميع الأقليات القومية والدينية. إلى حد كبير، فإن سورية المستقرة تتوافق أيضاً مع مصالح جيرانها، الذين لا يحتاجون إلى تهديدات إضافية على حدودهم. على أي حال، أنا مقتنع بأن الأمر متروك للسوريين فقط لتحديد البينة المستقبلية لبلادهم.

هل هناك صراع بين «عملية جنيف» و«عملية أستانا»؟
– لا، ليس هناك صراع بين هذه المسارات ولا يمكن أن يكون هناك. كانت عملية أستانا مقترحة في الأصل من أجل دفع المفاوضات في جنيف إلى الأمام. عمليتا جنيف وأستانا تكملان بعضهما البعض. في الوضع الحالي، ليس علينا أن نخشى وجود مسارات مختلفة؛ نحن بحاجة إلى استخدام كل الفرص المتاحة لتحقيق التقدم في القضية السورية.

هل نقترب من نهاية الأزمة السورية؟
– الديناميات الإيجابية في هذه المسألة واضحة. لا أود أن أضع تنبؤات، ولكننا نأمل جميعاً، في القريب أن يسود السلام الذي طال انتظاره على الأرض السورية المعذبة.

هناك خلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب من ناحية، ووزارة الدفاع «البنتاغون» من جهة أخرى، حول انسحاب القوات الأميركية من شرقي سورية. ما السيناريوهات المستقبلية لهذا؟ وكيف سيؤثر ذلك في الحل السياسي في سورية؟
– لم تتم دعوة القوات الأميركية إلى سورية، في الحقيقة هي باقية في هذا البلد بشكل غير قانوني، على حين إن الوجود الروسي جاء بناء على طلب الحكومة السورية. هناك أدلة متزايدة على أن الأميركيين يساعدون العناصر المتطرفة «تدريبهم، تزويدهم بالأسلحة، وما إلى ذلك».
وقد مهدت الاتفاقات الثلاثية بين روسيا وتركيا وإيران في أستانا وسوتشي الطريق أمام تسوية سياسية للوضع في سورية. لسوء الحظ، فإن بعض القوى الغربية تقوض في الواقع، عملية التنظيم السياسي. إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها وانضمت إلى الجهود المبذولة للتوصل إلى حل سياسي للصراع السوري، فعندها سوف يعم السلام أرض سورية.

هل تعتقد أن ما يحدث بين روسيا وإيران وتركيا في مفاوضات أستانا هو مجرد تقاسم لمناطق النفوذ على الأراضي السورية، أو تفاهمات مؤقتة، من أجل تعزيز نفوذها على التسوية السياسية للأزمة السورية؟
– لا أستطيع أن أتفق مع وجهة النظر هذه. يرتكز اتحاد روسيا وتركيا وإيران على المصالح المشتركة التي تكمن في إرساء الاستقرار في المنطقة. في الوقت نفسه، أود أن أشير إلى أن كلاً من تركيا وإيران متاخمتان مباشرةً للحدود السورية، على حين أن الحدود الروسية قريبة من المنطقة. هذا هو فضاؤنا المشترك ومنطقتنا المشتركة، التي نحن مسؤولون عنها. مواقفنا «في روسيا، تركيا وإيران» لا تتطابق في جميع القضايا، ولكن من المهم أن يكون لدينا أولويات متشابهة وهذا ما يجعل العمل الذي تقوم به روسيا وتركيا وإيران ناجحاً إلى حد ما.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!