بين حماقات ترامب وحكمة بوتين.. ميركل تتمسك بمصالح ألمانيا الاقتصادية

| د. قحطان السيوفي

المشهد الجيوسياسي الاقتصادي الدولي يُظهر حماقات إدارة دونالد ترامب تحت شعار «أميركا أولاً»، والاتحاد الأوروبي المُعرض لانتقادات ترامب، والمنهك اقتصادياً باستثناء ألمانيا بقيادة المستشارة ميركل التي تحاول التعاون مع الاتحاد الروسي في مجال الطاقة، وهذا الأخير يتزعمه الرئيس فلاديمير بوتين الذي يتحلى بالحكمة والشجاعة في تعامله مع الغرب ومع أصدقائه في الشرق الصيني.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتهم ألمانيا بأنها «رهينة لروسيا»، لسماحها ببناء مشروع خط أنابيب جديد للغاز الروسي (نورد ستريم 2) لتزويد شمال ألمانيا بالطاقة، ويُهاجم ترامب المستشارة الألمانية ميركل لفشلها في إنفاق أموال كافية لمصلحة حلف الناتو… آخر انتقادات ترامب لألمانيا، جاءت في افتتاح قمة الناتو الأخيرة في بروكسل… قال ترامب أثناء تحدثه مع يينس ستولتينبيرج، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي: «إن ألمانيا بلد غني يمكنه تعزيز الإنفاق على الدفاع بشكل فوري، ولم نعد نستطيع تحمل هذا الوضع… كما صعد ترامب هجماته على الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بفائضه التجاري مع الولايات المتحدة، وحمل ألمانيا المسؤولية.
اجتمع ترامب مع السيدة ميركل وناقشا المواضيع الخلافية، بما فيها خط أنابيب نورد ستريم الثاني، وأكدت ميركل استقلالية القرار الألماني.
بالمقابل هاجم ترامب خط الأنابيب الجديد في قمة الناتو في بروكسل، محذراً من أن ألمانيا أصبحت رهينة لروسيا. وهدد بإيقاف المشروع الذي تبلغ قيمته 9.5 مليارات يورو– وفرض عقوبات لتحقيق ذلك الهدف… قائلاً: «ألمانيا تحصل على ما نسبته 70 في المئة من احتياجاتها من الطاقة من روسيا وتخضع لسيطرتها». وحول مشروع نورد ستريم، قال أمين عام حلف الناتو، المشروع قضية تخص بلدانا منفردة، وليس من شأن الحلف اتخاذ قرار بشأنها، قال جيمس ستافريديس، قائد سابق في حلف الناتو «الانتقادات التي يوجهها الرئيس ترامب ضد حلفائه هي تعبير عن كراهية شخصية تجاه كثير من القادة الأوروبيين.
من مدينة لوبمين على ساحل بحر البلطيق في ألمانيا سيبدأ خط أنابيب نورد ستريم 2 المُخطط له من عام 2015، إلى عام 2019 وسيربط هذا الخط روسيا أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي بأكبر اقتصاد في أوروبا، ويضاعف قدرة خط نورد ستريم 1، الذي يعمل منذ عام 2011.
سينقل الخطان 110 مليارات متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي، أي ربع إجمالي طلب الاتحاد الأوروبي، المفوضية الأوروبية تعارض المشروع، لأنه لا يحقق الاستقلال في مجال استيراد الطاقة.. يقول نوربرت روتجن، وهو برلماني بارز في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم: «خط نورد ستريم 2 أحدثَ الفُرقة في الاتحاد الأوروبي… المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت إن «نورد ستريم 2» ليس «مجرد مشروع اقتصادي». وأضافت إنه يتعين أيضاً دراسة العوامل السياسية، وخصوصاً الحاجة إلى الحفاظ على وضع أوكرانيا كدولة عبور للغاز الروسي، تكسب أوكرانيا ثلاثة مليارات دولار من رسوم العبور سنوياً. كما تعمل وصلة الغاز كدافع للبلدين لإبقاء نزاعهما العسكري والسياسي ضمن السيطرة. سيسمح خط الأنابيب الجديد لروسيا بقطع وسيطها عن معظم شحنات الغاز المتجهة إلى الغرب – وتجنب الخلافات من النوع الذي يدور حول المدفوعات والشروط مع كييف التي اندلعت في السنوات الأخيرة.
وعلى خلاف خط نورد ستريم 1، الذي كان مشروعاً مشتركاً حقيقياً بين روسيا وأوروبا، سيكون خط الأنابيب الجديد مملوكاً بالكامل لشركة غازبروم الروسية، إلا أن نصف التمويل يقدمه تكتل من خمس شركات أوروبية.
وتقدر شركات التكتل هذه أنه حتى في حالة استقرار الطلب الكلي على الغاز أو انخفاضه بشكل طفيف خلال العقدين المقبلين، فإن أوروبا ستضطر إلى إيجاد 120 مليار متر مكعب إضافي من الغاز الطبيعي بحلول عام 2035.. بعض رجال الأعمال والمسؤولين الألمان يرون أن الولايات المتحدة تقاوم المشروع وتحاول الترويج لصادرات من الغاز الصخري المسال… المهم أن روسيا تسيطر على موارد الطاقة لأوروبا ما يثير القلق بشأن ما قد يحدث إذا أغلقت روسيا صنابير الغاز.
يقول بعض الألمان: «في العام الماضي، تلقت ألمانيا أكثر من 40 في المئة من إمدادات الغاز من شركة غازبروم. إذا قمنا الآن بمضاعفة السعة عن طريق نورد ستريم 2، فسنشهد زيادة أخرى كبيرة في الإمدادات من روسيا. أعتقد أن هذا يدفعنا إلى منطقة خطرة، من حيث سياسة الطاقة والسياسة الخارجية على حد سواء. سنخسر قدراً من استقلالنا.
تقول شركة غازبروم إنه بالنظر إلى أن حقول الغاز الجديدة تقع شمال غربي روسيا، فإن خط نورد ستريم 2 سيوفر 2100 كيلومتر من المسافة للعبور إلى ألمانيا، ويخفض الانبعاثات 61 في المئة.
كما حذرت روسيا من أن التهديدات الأميركية ضدها غير قانونية. وقال المتحدث باسم الرئيس بوتين: «نعتقد أن أي عقوبات ضد الشركات المشاركة في مشروع دولي لن تكون قانونية. هذا مشروع تجاري دولي حصري وخالٍ من أي دوافع سياسية؛ لأنه يستند إلى مبادئ المكسب التجاري للبلدان التي تشارك فيه وتوجد معارضة للمشروع في عواصم أوروبا الشرقية.
رادوسلاف سيكورسكي، وزير الخارجية البولندي السابق، شبَّه مشروع نورد ستريم باتفاق 1939 بين هتلر وستالين لتقسيم أوروبا الشرقية، بالمقابل مؤيدو مشروع نورد ستريم 2، يرون أن علاقة الغاز اعتماد متبادل بين مشتر وبائع وأنه عامل استقرار للعلاقة بين روسيا والغرب. حتى في أوج الحرب الباردة، كان الروس ينقلون الغاز باستمرار. تعتزم شركة غازبروم بدء استثمار خط الأنابيب، الذي يبلغ طوله 1200 كيلومتر نهاية عام 2019.
من وجهة نظر سياسية، يبدو بوضوح أن إدارة ترامب وحلفاءها يحاولون التأثير سلباً في قرار ألمانيا لجعلها تدفع ثمناً باهظاً، لكن المستشارة الألمانية، مدفوعة بمصالح ألمانيا الاقتصادية الوطنية، ترفض اتهامات الرئيس ترامب بأن ألمانيا رهينة لروسيا، وتصر على الاتجاه شرقاً لتنفيذ مشروع شراء الغاز الروسي لتأمين احتياجات بلادها وبما يحقق لألمانيا أمن الطاقة.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!