فريدريك هوف والجولان ونتنياهو

| تحسين الحلبي

قبل ثمانية أشهر نشر «مركز المصلحة القومية» الأميركي للأبحاث دراسة بعنوان: «ستة تحديات تواجه واشنطن في الشرق الأوسط بعد هزيمة داعش» عرض في مقدمتها «سيث فرانتسمان» أن واشنطن «لم تنجح في خلق دويلات في العراق وسورية كما كانت ترغب» وأن «الوضع الذي نتج عن تدخلها مع سبعين دولة من التحالف الذي قادته، لم يحقق المصالح الأميركية بل زادها تعقيداً في ساحة حلفائها في المنطقة بلا فائدة فتركيا وقطر في مواجهة السعودية ودول خليجية وحرب السعودية لم تحقق أهدافها، بينما انتصرت بالمقابل سورية والعراق وإيران وحزب الله ومعهم روسيا في الحرب ضد داعش وازدادت القوى المسلحة الشعبية المناهضة لواشنطن في العراق وأصبح غطاء الوجود الأميركي في العراق وسورية هشاً وغير قابل للتبرير».
ويضيف فريتسمان: «أما إسرائيل فلم تحقق شيئاً من تدخلها العسكري المباشر الذي ذكر قائد سلاح جوها أمير ايشيل أنه شن خلاله أكثر من مئة غارة جوية ضد سورية»، وحدد فريتسمان التحديات الستة التي تواجهها إدارة ترامب بالشكل الآتي:
1- تزايد قوة التحالف السوري الإيراني الروسي ومعه حزب الله والتقارب مع العراق.
2- عجز السعودية وحلفائها عن حسم الحرب في اليمن لصالحهم.
3- العلاقات المتأزمة بين واشنطن والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
4- مشكلة قطر مع السعودية ودول الخليج ووقوف أردوغان إلى جانب الدوحة.
5- الطريق المسدود لمجموعات الأكراد السوريين المدعومين من واشنطن.
6- تشابك كل هذه التحديات مع بعضها البعض.
الحقيقة الواضحة الآن بعد هذا التحليل الصادر قبل ثمانية أشهر، أن المهزومين في هذه الحرب ضد سورية بدأ التفكك يدب في صفوفهم وتتشعب أسباب نزاعاتهم دونما حل أو وفاق يظهر في الأفق، وبدت إسرائيل أكثر الخائفين والخاسرين من نتائج انتصار سورية وحلفائها، ولذلك أصبحت أولوية جدول عملها هي وقف هذه الخسارة والهزيمة عند حدودها الدنيا والحيلولة دون تفاقم نتائجها على وضعها الداخلي والخارجي خصوصاً تجاه استحقاق الانسحاب الكامل من الجولان السوري المحتل.
كشف مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الشرق الأوسط عامي 2010 – 2011 فريدريك هوف قبل أحداث الحرب على سورية في مقال نشره في 14 تشرين أول 2015 في مجلة «بوليتيكو» الأميركية الإلكترونية أنه زار تل أبيب في شباط 2011 قبل شهر من إشعال فتيل الحرب على سورية للبحث في موضوع الجولان واجتمع برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أبلغه عن «استعداده للانسحاب من كامل الجولان مقابل التسوية»، لكن نتنياهو عاد وتراجع عن هذا الاستعداد بعد نيسان من نفس العام حين بدأت الحرب على سورية بانتظار تغيير القيادة السورية وتفتيت قدرة الجيش السوري للاحتفاظ بالجولان تحت السيادة الإسرائيلية، وحين كشف هوف في مقاله المذكور عن هذا الاستعداد قرر نتنياهو في نيسان 2016، أي بعد ستة أشهر من نشر مقال هوف عقد جلسة لحكومته في الجولان المحتل والإعلان عن رفضه الانسحاب من الجولان.
مع تطورات انتصار سورية وحلفائها المتسارعة عام 2018 بات واضحاً لنتنياهو أن كل مراهناته على تفتيت قدرة الجيش السوري وإسقاط الحكم سقطت في بئر أوهامه وعادت أولوية تحرير الجولان بكل الوسائل على جدول عمل سورية واستعدادات جيشها، فسارع إلى الموافقة على عودة قوات «أندوف» لفصل القوات في منطقة الفصل في الجولان، وهي التي أرسل لها في عام 2013 الإرهابيين للتخلص من وجودها للشروع في تنفيذ مخطط إقامة منطقة يجمع فيها داخل الأراضي السورية المحاذية لحدود الجولان مجموعات إرهابية تحت إدارته وإشرافه لتقسيم سورية وتفتيت قدرات جيشها.
هكذا أصبح الانتصار على الإرهابيين وسبعين دولة تحالفت معهم خلال السنوات الثماني الماضية وفي مقدمها إسرائيل، محطة طريق لاستعادة كامل الجولان العربي السوري المحتل بجميع الوسائل المتوافرة لسورية وحلفائها بعد أن فرضت سورية تغييراً لصالحها في ميزان القوى مع إسرائيل وكل من تحالف معها من أطراف محلية أو دول في المنطقة.
في كل هذه التطورات المخيبة لآمالها تآكلت «قدرة الردع» الإسرائيلية على الجبهة الشمالية إلى أدنى حدودها النسبية مثلما تراجعت مراهنة إسرائيل على توظيف الجوار العربي أو التركي في أي حرب على سورية، وبات نتنياهو يجد في ساحة المجابهة محور قوة إقليمية صاعدة من سورية وإيران وحزب الله وكل من ينضم إليه وهو الذي سيفرض شكل ومضمون مستقبل المنطقة وليس إسرائيل ومن تحالف معها.

 

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!