بريت ماكغورك «الهمجي»

| أحمد ضيف اللـه

ما من شك أن القوى السياسية العراقية، ومن دون استثناء، تواجه اليوم ضغوطاً شرسة غير مسبوقة من الولايات المتحدة الأميركية، لمنع ممثلي الحشد الشعبي المنضوين في تحالف الفتح برئاسة هادي العامري، على وجه الخصوص، وبأيّ شكل من الأشكال، من أن يكون لهم أي دور مؤثر في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، أو في دعم ترشيح رئيس الوزراء الجديد. وعلى هذا الأساس تخوض الولايات المتحدة الأميركية معركة تشكيل الكتلة النيابية الأكبر بكل قوتها، دافعة النواب العراقيين من مختلف الكتل باتجاه الانضمام إلى تحالف «الإصلاح والإعمار» المشكل أساساً من تحالف «سائرون» المدعوم من مقتدى الصدر، وائتلاف «النصر» الذي يرأسه حيدر العبادي، و«تيار الحكمة الوطني» برئاسة عمار الحكيم، وائتلاف «الوطنية» برئاسة أياد علاوي، في مواجهة تحالف «البناء» المكون من تحالف «الفتح» الذي يرأسه هادي العامري، و«ائتلاف دولة القانون» برئاسة نوري المالكي، وآخرين. وقد تسبب التدخل الأميركي في إفشال الجلسة الأولى لمجلس النواب التي انعقدت في الـ3 من أيلول الحالي، على خلفية من الكتلة النيابية الأكبر؟ وتأجيل استمرار انعقاد الجلسة لغاية الـ15 منه، بعد أن تبين أن كفة الكتلة النيابية الأكبر باتت تميل لصالح تحالف «البناء».
إن الضغوط القاسية والابتزاز الفظ الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية، قادها بريت ماركغورك مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون التحالف الدولي في العراق، ودوغلاس سيليمان السفير الأميركي في العراق، مستخدمين كلّ ما يملكانه من أساليب الترغيب والترهيب، بحق القوى السياسية العراقية الشيعية والسنيّة والكردية، التي وصلت إلى مدايات لم يكن بالإمكان توقعها أو تخيلها قبلاً، حيث عمدا إلى الاجتماع المباشر بأغلب رؤساء الكتل النيابية، والشخصيات السياسية العراقية المؤثرة، والاتصال المباشر بالنواب واستدعاؤهم نائباً نائباً، والطلب منهم بشكل صريح لا لبس فيه الانضمام إلى تحالف «الإصلاح والإعمار» ودعم ترشيح رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي لولاية ثانية، وعدم الانضمام إلى أي تحالف فيه «حلفاء إيران»، مهددين من لا يلتزم بوضع اسمه ضمن قوائم دعم الإرهاب، وتجميد أرصدته المصرفية وممتلكاته في الخارج، وإلغاء من لهم إقامات في الدول الخليجية، إضافة إلى تهديدات أخرى للعراق بقطع كل أشكال الدعم والمساعدات الأميركية، ومنع الدول التي تدور في الفلك الأميركي من المساهمة في إعادة إعمار العراق، عدا عن الطلب من رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي بإعفاء نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس من مهامه، بعد أن كان قد أعفى في الـ30 من آب الماضي، مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، من جميع مناصبه.
الأخطر في التدخلات الأميركية هذه، أنها وصلت إلى حدّ ملاحقة المحكمة الاتحادية وقضاتها، للتأثير على قرارها بشأن استفسار المجلس النيابي عمن هي الكتلة الأكبر.
ففي حديث مع برنامج «حوار خاص» الذي بثته فضائية «الحرة عراق» الممولة أميركياً في الـ3 من الشهر الجاري، قال رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي في تحالف «المحور الوطني» محمود المشهداني: إن بريت ماكغورك قال لهم: «إذا ما تجون ويانا ترى نعاقبكم مثلما نعاقب إيران»، مشيراً إلى أن «بريت أسلوبه همجي وليس متحضراً»، مؤكداً أن «العرب السنّة ليس من مصلحتهم الاستراتيجية أن يتناكفوا مع إيران.. أميركا لم تقدم لهم شيئاً.. لم تسلحنا حتى نحارب داعش».
وفي حوار مع برنامج «لقاء خاص» الذي بثته فضائية «آفاق» في الـ4 من الشهر الحالي، قال رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، عن لقائه بيرت ماكغورك: «.. تحدثت بصراحة وقلت لا تتدخلوا في عملية تشكيل الحكومة، اتركونا كعراقيين نتصرف، إذا كنتم تعترضون على الجهة الفلانية أنها تتدخل، فأنتم تتدخلون، أنت يا بريت وصلت إلى مرحلة التهديد المباشر، تهديد النواب، تهديدهم بأرصدتهم، بحساباتهم، بإقاماتهم، هذه غريبة لأول مرة تحصل»، مشيراً إلى «الاتصالات الهاتفية والتدخلات التي كانت تجري من أعلى المستويات في أميركا من وزير الخارجية، وحتى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب نفسه يتصل، بحيث أعطت صورة هتك لحرمة القوى الوطنية أن تصل الأمور إلى التدخل بهذا الشكل».
لقد بات من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية تستهدف الحشد الشعبي الذي قاتل ببسالة تنظيم داعش ودحره، لإبعاده عن الساحة السياسية العراقية مهما كان الثمن. وهذا لن يحصل، خاصة مع البيان الذي وقعه 11 فصيلاً من مكونات الحشد الشعبي في الـ4 من أيلول الجاري، معلنين فيه أنهم كشفوا «خيوط مؤامرة جديدة هي الأخطر في سلسلة المؤامرات، نَسج خيوطها أساطين التحالف الإنجلو أميركي.. تشكّل تدخلاً سافراً في العملية السياسية لفرض إرادة هذا التحالف الشرير على العراقيين وتشكيل حكومة هزيلة ضعيفة تأتمر بأوامر الثنائي مكغورك والسبهان»، مشيرين إلى أنهم ينظرون «بعين الغضب إلى الوجود اللا مشروع للقوات الأجنبية في العراق وتحت أيّ مسمّى.. وإن القوات الأميركية تحت بصرنا، وسنتعامل معها كقوات محتلّة.. وسنستخدم حقنا المشروع الذي يتيح استخدام كل الوسائل لإخراجها من بلادنا».
إن أقصى ما استطاعت ضغوط مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون التحالف الدولي في العراق بريت ماكغورك، والسفير الأميركي في العراق دوغلاس سيليمان، تحقيقه حتى الآن هو عرقلة جلسات مجلس النواب، والتسبب في تفكك بعض الكتل النيابية وانقسامها، كائتلاف «الوطنية» برئاسة أياد علاوي، وتحالف «النصر» برئاسة حيدر العبادي، وكتلة «المحور الوطني» المشكل من 6 قوى نيابية سنيّة، وانتزاع موقفين مؤقتين، من الأكراد، بالقول: «اتخذنا موقفاً محايداً، ولم ننضم إلى أي طرف»، ومن «المحور الوطني» بالإعلان على أنه «يقف على مسافة واحدة من جميع الكتل». وليس ببعيد أن يكونا وراء ما يجري في محافظة البصرة، من دس عملاء لهم بين المتظاهرين، الذين قاموا بإحراق مقرات الأحزاب السياسية وقوى الحشد الشعبي، ومبنى القنصلية الإيرانية في مدينة البصرة! مستغلين ما يجري في المحافظة من تظاهرات شعبية مطلبية خدماتية محقة.
إن الولايات المتحدة الأميركية، وبعد أن فشلت في توجهاتها لحسم الكتلة النيابية الأكبر لصالحها، بدأت تدفع باتجاه تشكيل حكومة طوارئ لمدة عامين، برئاسة حيدر العبادي، وهو أمر لن تقبل به المكونات العراقية السياسية، خاصة مع ظهور مؤشرات العودة إلى التحالف الذي كان قد أعلن في الـ12 من حزيران الماضي بين «سائرون» أي مقتدى الصدر وتحالف «الفتح» أي هادي العامري، الذي جن جنون الأميركييون وأعوانهم في المنطقة حين إعلانه، ليكون نواة لالتحاق باقي الكتلة النيابية به، وتشكيل الكتلة النيابية الأكبر من دون منازع.
إن بريت ماكغورك في سلوكه «الهمجي»، الذي خرج عن أساس مهمته العسكرية، وهو التنسيق ما بين قوات «التحالف الدولي» ضد تنظيم داعش، ودوغلاس سيليمان، فشلا في مؤامرة تفكيك القوى السياسية العراقية، وإشاعة الفوضى في العراق، بهدف إقصاء الحشد الشعبي وتحجيم دوره ومن غير المستغرب أن يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإقالتهما نتيجة فشلهما.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!