قضايا وآراء

طرق مسدودة

| سامر ضاحي

لم يكن بمقدور الولايات المتحدة الأميركية إلا التعامل بخبث معهود مع تطورات الأزمة السورية في محاولة لكسب كل مخرجات تطورات هذه الأزمة لصالح إستراتيجيتها الشرق أوسطية المبنية بدورها على ثالوث «تدفق آمن للنفط» و«أمن إسرائيل» و«مواجهة إيران»، ولذلك كان لا بد لها من النظر بعين الريبة إلى اتفاق إدلب المعلن في 17 أيلول الماضي من ناحية قدومه عبر تفاهم رعاة مسار أستانا وهم روسيا وتركيا وإيران، وإن كانت الأخيرة لم تظهر مشاركة فعالة في صياغته.
وكما أكدت دمشق أن «اتفاق إدلب» جرى بالتنسيق معها خطوة بخطوة، فإنه من غير المحتمل ألا تكون الدبلوماسية الروسية قد أخطرت نظيرتها الأميركية فيه من باب التنسيق الدولي وقيادة الروس لجهود محاولة حل الأزمة السورية وتواصلهم مع الجميع بشأنها.
ومن باب المصادفة، ارتد العدوان الإسرائيلي المنسق مع الغرب على اللاذقية بعوائد أكثر من سلبية على الكيان المحتل، وما وصول منظومات «إس 300» إلى سورية إلا ضربة موجعة له بعد سنوات من محاولته عرقلة هذا الوصول، كما أن الروس زودوا الجيش السوري بأنظمة رادارية إضافية وباتت الأجواء السورية مغطاة رادارياً بالكامل، ليعود الوضع على ما كان عليه قبل الأزمة ولاسيما أن هذا القطاع العسكري تعرض لاعتداءات منظّمة خلال الحرب وهو ما أشار إليه مراراً الرئيس بشار الأسد.
في مقابل العودة الرادارية القوية للدولة السورية وجدت الولايات المتحدة أنها بحاجة للعبث بالمشهد الانفراجي للأزمة وعودة الدولة السورية قوية، فجلبت معارضة الرياض وممثلي هيئة التفاوض إلى نيويورك وقدمتهم إلى البعثات المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر لقاءات منفصلة وكأنهم ممثلون للشعب السوري أو جزء منه رغم أن هذه المعارضة غير منسجمة وغير موحدة البنيان ولا تحظى إلى اليوم بأي شرعية تمثيلية لدى السوريين وحتى غير معترف بها في الأمم المتحدة.
لم تتوقف أميركا عند هذا الحد بل عمدت إلى التهديد باستخدام القوة والإجراءات الأحادية الجانب لتمرير مشروعها وحلفائها حول اللجنة الدستورية فكان لهم نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية المغتربين وليد المعلم بالمرصاد ووضع لهم الخطوط العريضة لعمل اللجنة وإطار ونطاق صلاحياتها تحت إشراف الشعب السوري وحده.
توازت رغبة واشنطن بتقديم ممثلي المعارضة مع إمكانية حلولهم كبديل منطقي للنظام السياسي الشرعي في دمشق، مع جهودها الحثيثة لشرعنة تواجد احتلالي جديد في سورية من خلال ما يسمى «ناتو عربي»، يحقق لها انسحاب آمن من سورية من جهة، واستمرار لأدواتها على الأراضي السورية من جهة أخرى، بانتظار حل ما للملف الكردي في شمال شرق البلاد الذي يبدو أنه يتعقد يوماً بعد يوم إذا ما استمرت المصالح الإقليمية والدولية بالتصادم حوله.
كلمة المعلم أمام الجمعية العامة حملت الكثير من الأجوبة من قبيل استعادة كل شبر من سورية سواء من الإرهاب أم من الاحتلال الذي تمارسه القوى الغربية، لا بل وحدد الثوابت الوطنية قاطعاً الطريق على إمكانية مشاركة أي دولة تآمرت على سورية في إعادة إعمار البلاد.
وبدا من إصرار المعلم على حرص الدولة على إعادة اللاجئين إثبات قوة النظام السياسي الشرعي من حيث أن عودة اللاجئين لا تحصل في المناطق التي يمتلك المسيطرون عليها أفكاراً تقسيمية، ولا يزال المواطن السوري يعلق ثقته الأساسية على دولته وليس على الآخرين.
ومن غير المتوقع أن تتوقف الولايات المتحدة عن سياساتها في محاولة لزعزعة الاستقرار السوري، لكن على المدى البعيد يبدو تشابك علاقاتها مع تركيا كفيل بردعها، لأن أبعد التصورات هو موافقة التركي على أي كيان كردي على حدوده الجنوبية حتى لو كان ذلك مشفوعاً بدعم أميركي.
كما أن العلاقة التركية الإيرانية الوطيدة خاصة داخل الترويكا الراعية لأستانا قد تدفع التركي مستقبلاً للانضمام إلى جهود أوروبية لصياغة توافق بالحد الأدنى بين إيران وأميركا يدفع إلى استدراك تبعات الاتفاق النووي وخروج واشنطن منه، كما أنه قد يحدد صيغة علاقة جديدة حول التنافس في سورية بين أميركا وإيران وعندها سيكون المستفيد الأكبر هو الشعب السوري، وإن طال هذا الأمد.
ولا يسع في هذا التصور إلا انتظار مخرجات الانتخابات الأميركية النصفية المقبلة لما قد ينجم عنها وحتى لو تم تجديد الثقة بالرئيس الحالي دونالد ترامب لكن الأخير تبدو كل طرق إستراتيجياته في سورية مسدودة، بانتظار عودة إدلب التي ستكون خطوة مهمة للقفز إلى مواجهات كبرى في شرق سورية قد يطول أمدها.

مقالات ذات صلة