قضايا وآراء

أوليات جبهة الشمال

| تحسين الحلبي

بدأ يتضح أكثر فأكثر أن سعي إدارة ترامب لإبقاء وحداتها العسكرية التي لا يزيد عددها على عدة آلاف في منطقة شمال شرق سورية من دون تحديد موعد أو تأكيد انسحابها يحمل عدداً من الأهداف العدوانية التكتيكية والإستراتيجية بموجب تصريحات ومعلومات تتداولها واشنطن منذ فترة قريبة.
في الأول من تشرين الأول نشر الموقع الإلكتروني الأميركي «ذا ديفينس بوست» المختص بالشؤون العسكرية أن «كبار المسؤولين الأميركيين في وزارة الخارجية حاولوا إخفاء الدور الأميركي العسكري في سورية ضد النفوذ الإيراني في البلاد أثناء تقديمهم موجزاً لعدد من الصحفيين في 27 أيلول الماضي أثناء انعقاد جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة»، ويضيف جاريد تسوبا، الذي نشر التحليل في هذا الموقع إن «المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الأميركية للموضوع السوري جيمس جيفري قال إن هناك عدداً من الأهداف الأميركية في سورية وإن الهدف العسكري الوحيد ما زال هو القتال ضد داعش ومنعها من العودة».
ويبدو أن ما أراد جيفري إخفاءه تطوع مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إلى الإعلان عنه حيث تحدث إلى الصحفيين في اليوم نفسه ولم يذكر مطلقاً أن الوحدات العسكرية الأميركية موجودة لقتال داعش بل قال: «إن هذه الوحدات مهمتها صد حركة إيران وحلفاء إيران داخل سورية وستبقى إلى وقت غير محدد».
ولكي تبرر إدارة ترامب سياستها العدوانية هذه يشير المحلل السياسي الرئيسي في مجلة «أنتي وور» الأميركية جيسون ديتس إلى أن وزارة الخارجية الأميركية تزعم أن الجيش السوري يضم 80 بالمئة من قواته من المجموعات العسكرية التي تدعمها إيران داخل سورية.
ومثل هذه المزاعم تشبه أيضاً المزاعم التي روجتها واشنطن لتبرير عمليات عدوانها العسكرية حول استخدام الجيش السوري أسلحة كيميائية فواشنطن لا تتوقف عن ترويج الاتهامات حتى لو بدت مزيفة وخيالية أمام العالم لكي تعد طرقاً وأشكالاً جديدة لتبرير وجود قواتها واستخدامها ضد المصلحة الوطنية والسيادة السورية.
في الكونغرس الأميركي لاحظ عدد من الأعضاء أن إدارة ترامب تجاوزت الأهداف المعلنة لوجود هذه الوحدات والتي حددها الرئيس السابق باراك أوباما في عام 2015 بمحاربة «داعش» وليس الاشتباك مع أي قوة عسكرية أخرى في سورية.
واحتج عدد من هؤلاء الأعضاء على تصريحات جون بولتون وما زال النقاش والاختلاف بين إدارة ترامب مستمراً داخل الكونغرس وبعض جلسات الاستماع للمسؤولين في إدارة ترامب حول هذا التوسع في استخدام الوحدات الأميركية في شمال شرق سورية.
وإذا حاولنا قراءة ما يحمله رأس جون بولتون من خطط لاستخدام هذه الوحدات فسوف نستنتج عدداً من الاحتمالات التي تشير إلى بقية الأهداف الأميركية أو الأشكال التي ستتبعها إدارة ترامب لتحقيق هذه الأهداف فالولايات المتحدة ستعتمد في تلك المنطقة لتحقيق استمرار عدوانها وتحقيق أهدافها ضد سورية على عدد من الأوراق المتوافرة في شمال شرق سورية وحدودها وأولى هذه الأوراق زيادة توظيف دور القيادات الكردية السورية العسكري والسياسي وثانية هذه الأوراق أعداد وبناء مجموعات مسلحة من بقايا مجموعات داعش وجبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية وغيرها من المنظمات الإرهابية وتجنيدها في إطار تطلق عليه «مجموعات المعارضة» السورية وضرورة حمايتها من أي عملية سلمية أو تسويات تبادر إليها موسكو ودمشق لكي يجري إدخال هذه المجموعات في قلب اللعبة الأميركية التركية لأن ثالثة هذه الأوراق التي ستوظفها واشنطن هي ورقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المنتشرة عسكرياً في شمال سورية وترتيب نشاط مشترك يجمع بين «مجموعات إطار المعارضة» الجديد والمؤلف من بقايا كل المنظمات الإرهابية المسلحة وبين دور أنقرة صاحبة النفوذ عليها من جهة وبين الدور الأميركي من الجهة الأخرى، فواشنطن تعد وجود الوحدات العسكرية التركية فوق الأراضي السورية قوات صديقة وذات تأثير يفوق تأثير أي وحدات أخرى سواء من قيادات أكراد سورية أو غيرها.
لكن قواعد اللعبة الأميركية بين هذه الأوراق الثلاث تدركها موسكو ودمشق وطهران، وتعد نفسها وقدراتها السياسية والعسكرية لمنع تحقيق أهدافها «فإزاحة» جزء كبير من الخطر الإسرائيلي على سورية في جبهتها الجنوبية واستيعاب المملكة الأردنية لدروس الأزمة السورية ومضاعفاتها على حدودها واستقرارها لابد وأن يهزم الخطة الأميركية ويفتت قدرة أدواتها في شمال وشمال شرق سورية وهذا الهدف أصبح الآن بين أهم أولويات جدول عمل القوى الثلاث المتحالفة الروسية والسورية والإيرانية في الأسابيع والأشهر المقبلة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock