معارضات الخارج بين التدويل والتخوين والمصير

| محمد نادر العمري

يندرج بحث إشكالية التمثيل السياسي للمعارضة السورية الخارجية، وآليات عملها، وأشكال تجلياتها الراهنة، ضمن إطار البحث الموضوعي لسيرورتها وديمومتها السياسية المحمولة على أزمة بنيوية منذ بدء الأزمة السورية.
فالمتابع للمفاصل السياسية التي مرت بها هذه المعارضات، كان ومازال، ينكشف على مزيد من الانقسام والتشتت، وصولاً إلى التنابذ والعداء. وإذا كان ذلك يتعلق في مراحل معينة بخلافات إيديولوجية وفكرية وثقافية، وأخرى سياسية لها علاقة بالموقف من الحوار مع الحكومة السورية أو تمسكها بما أسمته انتقالاً سياسياً وتسلم السلطة. فإن العامل الأبرز تجاوز ذلك إلى خلافات إشكالية تتعلق بالعوامل الخارجية المتمثلة بالدول الداعمة لها، وتأثيرها على تركيبة هذه المعارضة واصطفافاتها ضمن العملية السياسية. ولم تنكشف تماماً تجليات هذه المواقف في بداية الأزمة، نتيجة رغبة الدول المعنية في عدم إظهار تدخلها بصورة علنية في الشأن السوري، وذلك لتسويغ نشوء المجموعات المسلحة وتهيئة الأجواء لها بالدرجة الأولى، وثانياً لتتمكن هذه الدول من إيجاد واجهة سياسية لهذه التنظيمات، لكن ذلك تغير بشكل دراماتيكي مع إخفاق هذه المعارضات من إيجاد نظام بنيوي موحد لها، لذلك سعت الدول الداعمة لها لإنشاء كيانات ابتداء بمجلس إسطنبول وصولاً لما سمي بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والهيئة العليا للمفاوضات.
وضمن هذا السياق عانت المعارضة من إشكالية مركبة تتمثل في محاولة أطرافها احتكار تمثيل المعارضة حتى في المباحثات التي شهدتها أروقة جنيف. ويتجلى ذلك باستخدام أعضائها لهجة تخوينية، تكشف عن هشاشة طبيعة علاقتها البينية، وتأصل التناقض والتباين بين مكوناتها، وأيضاً عن نمط تفكيرها وتوجهاتها السياسية. وينسحب ذلك على طبيعة الموقف السياسي من السلطة، والدولة، وإشكالية وضعهما في خانة واحدة، على أساس الربط الميكانيكي. كما أن زيادة الفجوة بين أطراف المعارضة من جهة، وبينها وبين السوريين من جهة أخرى، حولتها لحالة خارجية مرتبطة بالدول الداعمة لها، لدرجة أصبح تمثيل مصالح تلك الدول والتماهي مع سياساتها، يتقدم على ما ادعته هذه المعارضة من تحقيق مطالب السوريين وتمثيلهم.
كما افتقدت المعارضات الخارجية برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً إستراتيجياً، يمكّنها من التعبير عن ذاتها، إضافة إلى ذلك، فإن مسعى الائتلاف لزج معارضين سياسيين مع نظرائهم المسلحين باءت بالفشل، ويعود ذلك إلى أسباب متعددة منها: ارتهانها إلى قوى إقليمية متناقضة ومتصارعة في إيديولوجياتها مثل الوهابية والإخوان المسلمين، ومشكوك في صدقيتها بدعم السوريين في الحفاظ على وحدة الجغرافية السورية، والارتباط العضوي لمعظم أعضاء الائتلاف بالمجموعات الإرهابية وخاصة «جبهة النصرة» التي سعت لفرض ما سمي «بدولة إسلامية».
فإضافة إلى الخلافات السابقة، طال الشقاق مفهوم الهوية الوطنية السورية نفسها، فقسم من المعارضين لم يمانعوا حدوث تدخل عسكري أجنبي لإسقاط الدولة السورية على غرار النمط الليبي والعراقي، بل أصبحوا يشجعون على ذلك، معتبرين وفق زعمهم: «إن الغاية الديمقراطية الداخلية تسوغ الوسيلة العنفية الخارجية»، على حين ذهب قسم من هؤلاء المعارضين للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، مقدمين تنازلات له بغية الحصول على المساندة السياسية والعسكرية.
في ضوء كل هذه المعطيات يبرز السؤال: هل أصبحنا فعلاً في أزمة وجود معارضة؟ وهل سنشهد المزيد من لهجة التخوين بين أعضائها وأركانها؟ ومن سيجلس على طاولة الحوار في نهاية المطاف؟
من المؤكد أن مؤتمر سوتشي الذي كسر احتكار وفد الهيئة العليا للتفاوض تمثيل المعارضة، والإنجازات الميدانية المتراكمة لدمشق وحلفائها، أحدث مقاربة جديدة على مستويين: الأول: إظهار هشاشة وعدم تناغم هذه المعارضة التي اجتمعت على أسس مصلحية وليست وطنية كما ادعت طوال السنوات السابقة، وثانياً: رسخت أن معظم هذه المعارضات تفتقد تأثيرها على المجموعات المسلحة وأن هناك هوة بينهما، وهذا ظهر بوضوح في اتفاقي الجنوب السوري ومدينة إدلب، حيث غيبت المعارضة الخارجية بشكل أساسي عنهما على حين ظهر تأثير الدول الإقليمية وخاصة تركيا على المسلحين في الشمال.
فما الذي تمتلكه معارضة الخارج اليوم، سواء على الأرض السورية، أم من دعم خارجي؟ ومن ثم أي حصة بقي لها في لجنة تعديل الدستور أو في سورية الغد؟
هذا الواقع هو ما قد تستثمره تركيا في هذا التوقيت لفرض شكل معارض أو نموذج يتماهى مع أجندتها وإيديولوجيتها ضمن لجنة تعديل الدستور كخيار أخير في استثمار ما تبقى من معارضة الخارج قبل أن نشهد المزيد من فصول الفضائح التي لم يكن أولها، ولن يكون آخرها، إعلان محمد صبرا عن حجم التوظيف الخارجي لهذه المعارضات.
هذا الإعلان مجرد قطرة غيث والحبل على جرار.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!