الأولى

السقوط الأخير للحلقة الجهنمية

| نبيه البرجي

ظنوا، كدمى أميركية، أن باستطاعتهم أن يلعبوا، جيو سياسياً، على المسرح، إن بدافع نرجسي أم بدافع قبلي.
الانفجار الذي حدث في العلاقات بين الحلفاء سبقته سلسلة من السجالات المكوكية، وإلى حد تهديد كل طرف بوضع أوراقه في الضوء، كما لو أن التعاون الميداني، واللوجيستي، والاستخباراتي، لم يبلغ مداه في استجلاب تلك الأقدام الهمجية من أقاصي الجحيم.
الأصابع القذرة، وقد تحولت إلى الأصابع المحترقة، إذ انتهت إلى الحائط، لتتألق سورية، وأهل سورية، بدأت بتصفية الحسابات. قضية القنصلية ليست سوى الفقاعة التي أماطت اللثام عن التفاعلات، وعن التجاذبات، التي كانت تحدث في الظل.
الغريب أنهم لم يتنبهوا، وهم يغتسلون حيناً بالوحول، وحيناً بالنيران، أنهم ليسوا أكثر من أدوات في اللعبة الأميركية!
أحدهم من الذين تكدسوا، كما أكياس القمامة، على أرصفة اسطنبول، ظهر على إحدى الشاشات شاكياً «الخيانة الأميركية»، كما لو أنه، ورفاقه، لم يكونوا (ولا يزالون) يدارون بالأحذية.
الحثالة التي تزحف بين الأحصنة الخشبية نفسها أحصنة طروادة في المسار الجيوستراتيجي للولايات المتحدة، وقد فهموا، بكل تلك السذاجة، أن السيناريو الأميركي إنما يعمل لحسابهم.
من جهات سياسية، وديبلوماسية، نعلم أن الخارجية الأميركية هي التي أوقفت «صراع الوثائق»، تفادياً للظهور الصارخ للعراب الأميركي في إدارة الرؤوس، الرؤوس التائهة، التي قلنا إنه لم يعد لها موطئ قدم لذبابة على المسرح.
أولئك الذي يشتكون الآن من بهلوانيات الرئيس الأميركي دونالد ترامب كم هللوا له على أنه «الوثن الأكبر» الذي يعيد تشكيل الكرة الأرضية.
إنهم يتحدثون عن اللقاءات الدورية، أو اللقاءت الطارئة، التي كانت تعقد بينهم وبين مسؤولين في الموساد وفي الاستخبارات التابعة لهيئة الأركان، بحضور مستشار لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وحيث كان الرهان على السيناريوهات التي تفضي إلى توزيع المنطقة قطعة قطعة.
كل ما وضع على الورق ذهب أدراج الرياح. نتنياهو الذي تلاحقه الفضائح حاول أكثر من مرة، وعبر جاريد كوشنر، حمل البيت الأبيض على التنسيق من أجل تنفيذ عمليات جراحية في بعض بلدان المنطقة تؤدي إلى إحداث تغيير في الإيقاع الراهن للأحداث.
المحاولات لم تقترن بنتيجة. ترامب غارق في مشكلاته. نتنياهو يستعين بمايك بومبيو تفادياً للوقوف وراء القضبان. الرجل الذي يتسول الحرب بأي ثمن. هيئة الأركان تدرك بدقة ما الثمن الكارثي للحرب.
في واشنطن، تحدث جيفري غولبدرغ عن نقاش حاد بين جيمس ماتيس وجاريد كوشنر الذي يسند ظهره إلى اللوبي اليهودي حول «الخيار العسكري» الذي يعيد هيكلة المعادلات، والعلاقات، في الشرق الأوسط.
للبنتاغون حساباته الدقيقة التي تؤكد أن أي عملية عسكرية لفرض قواعد جديدة، وربما خرائط جديدة، تعني دفع الولايات المتحدة إلى مستنقعات لا بد أن تكون أكثر هولاً من مستنقعات الميكونغ في الهند الصينية.
ننقل ما يتم تداوله في الخليج، وفي باريس، وفي لندن، وفي برلين، أيضاً في واشنطن، عن القيادة السورية، وعن أولئك الذن مازالوا يحاولون، بأسلوب قطاع الطرق، الالتفاف حول الدولة، وحول الدور، في سورية.
كلام عن «بطولة بشار الأسد»، عن «تلك الشخصية الفذة في احتواء الأعاصير». وزير خارجية أوروبي قال إن الامكانات التي وضعت لتقويض سورية كانت قادرة على إزاحة جبال الألب من مكانها.
الذي حمى سورية هو من حمى العرب، حين كان الآخرون يتواطؤون، ويتآمرون، وينثرون المليارات. تذكروا ما سيكون عليه عام 2019. السقوط الأخير للحلقة الجهنمية ليكون الشرق الأوسط، وعبر دمشق بالذات، أمام أفق آخر، أمام زمن آخر.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock