اقتصاد

دمشق- بغداد: قفل باب مفتاح

| علي محمود هاشم

هل حقا سيمكن للجغرافيتين السورية والعراقية أن تلتقيا مجدداً؟
قبل 4 سنوات، لم يكن لهذا السؤال من إجابة يقينية، حينها، كان الصعود الجارف للخرائط الجديدة غرب آسيا قاب قوسين أو أدنى من تطويب حدود «الشرق الأوسط الكبير».
آنذاك، وفي غمرة المدّ الغربي شرق سورية، كانت أطلال الإمبراطوريات الأوروبية القديمة على أهبة الاستعداد للمضي في تمديد صلاحيتها التاريخية لقرن آخر، عبر اعترافها الجماعي بـ«دولة داعش» الوظيفية كجسر بري يصل مناطق نفوذها في الخليج العربي بحدودها التركية شمالا جنوبا، ليقطع -تلقائياً- أنفاس منافسيها شرقاً وغرباً.
كان الأمر -في أحد أوجهه- بمثابة استدراك دموي لما شهدته العلاقات التجارية السورية العراقية من تطور مستقل خلال العامين اللذين سبقا الحرب على سورية وذهاب البلدين للالتفاف على تاريخ طويل من تابو التواصل الجغرافي بينهما، وهذا الأخير لا يمكن للغرب تصور قيامه بمعزل عن هيمنته المباشرة.
ليس القطع الجغرافي السوري العراقي شغفاً غربياً طارئاً، إذ إن تلاقيهما البرّي الذي يشكل مقطعا حيويا من منظومة تجارية قارية أوسع، حشر الإستراتيجيات الغربية خلال القرون الماضية في أحد خيارين: إما هيمنة صارمة برزت جليا عبر توازع المصالح التجارية بين دول الانتداب البريطاني والفرنسي على سورية والعراق، وإلا فإقصاء نهائي لجغرافيتيهما من طرق التجارة العالمية عبر اصطناع ألوان شتى من عدائهما.. كما جرت العادة إبان استقلالهما.
الخيار الثاني ليس نكاية محضة، إذ إن استبعاد الجغرافيا السورية والعراقية غير المسيطر عليها من الفضاء التجاري شرق المتوسط، رغم كونها أحد أهم أعمدته، هو خيار «الممكن» لتمديد صلاحية طرق تجارية أخرى قائمة جنوبا عند أعالي البحار وممرات مائية لا تزال في قبضة الغرب منذ اكتشاف رأس الرجاء الصالح وحفر قناة السويس.
وفق ذلك، يمكن النظر إلى الجغرافيا السورية العراقية كبؤرة صراع تجاري تاريخي بين ممالك البحار التقليدية وممالك البرّ التواقة لاستعادة حضورها العالمي.. ضمن هذا المعترك، قد تكفي نظرة خرائطية سريعة، لاستجلاء معانى التقاء الجغرافيا السورية العراقية «كقفل وباب ومفتاح» بين براري قارات العالم القديم المترامية على شطآن محيطات الهندي والأطلسي والهادئ.
قبل أيام، أعلن العراق على لسان أركان جيشه، وللأمر دلالاته، استئنافا قريبا للتواصل البري عبر المعابر المتاحة مع سورية.
بديهيا، سيلاقي الأمر ما لاقاه خلال عصور مضت من رفض غربي مبطن وعلني، ولاستلماح ذلك، فقد يكون من الحكمة معاينة ما استتبعته عملية تحرير البادية التدمرية: بدءاً بإعادة تهييج القطب البحري الشرقي للبر السوري العراقي عند الخليج العربي، مروراً بتشديد الحصار على قطبه الغربي حيث السواحل السورية المنفلتة من قبضة الغرب، ومن ثم الترويج المتراكم مؤخراً لولادة «داعش» البديلة غرب الأنبار استدراكاً لوظيفته التهديدية الآفلة شرق الفرات، وصولا إلى الإعداد النفسي الذي يبشر الغرب من خلاله بتهديدات موضعية مستقبلية ستحيق بطريق دمشق بغداد، تسهر عليها أشباح على هيئة «جيوب داعشية».
في هذه البيئة المفعمة بتضاد المصالح، سيكون على سورية والعراق الضرب بكلمتهما الحاسمة على طاولة المستقبل المتاح أكثر من أي وقت مضى، كشرط لا مفر منه لاستعادة جغرافيتهما المهمشة «قسراً» كأبرز مقاطع التجارة بين قارات العالم القديم، بما في ذلك «طريق الحرير» الجديد وخط العرض 33 الذي تتوزع على جانبيه المنابع التقليدية للطاقة ومساراتها..
لن يمر تلاقي سورية والعراق إلا على جثة النظام العالمي القديم برمته، وليس نظام القطبية ذا العقود الثلاثة الماضية فحسب.. وفي الواقع، ثمة جثة تتفسخ اليوم بالفعل على حدودهما.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock