ثقافة وفن

صباح فخري مكرماً في دار الأسد … آندريه معلولي: حمل رسالة الفن الأصيل والتراث السوري العريق بثبات وشموخ وصلابة

| وائل العدس- تصوير طارق السعدوني

خلال أسبوع واحد فقط، وقف على مسرح الأوبرا في دار الأسد للثقافة والفنون ثلاثة من عمالقة الطرب العربي الأصيل ضمن الفعاليات الفنية المرافقة لمعرض دمشق الدولي بنسخته الحادية والستين.
من مطربة الأجيال ميادة الحناوي إلى لؤلؤة الفن المصري عفاف راضي ووصولاً إلى أسطورة الغناء العربي وأيقونته صباح فخري الذي أبى رغم مرضه إلا أن يلهب الجمهور مرتين، الأولى عندما رقص وتمايل إلى جانب الجمهور وكأنه ابن العشرين، والثاني عندما صعد إلى خشبة المسرح ليحيي جمهوره العريض بنفسه ويبادلهم الحب والاحترام والوفاء.
إذاً، أحيت الفرقة الوطنية السورية للموسيقا العربية بقيادة عدنان فتح اللـه حفلاً تكريمياً لأحد رموز الفن العربي، أحياه ستة فنانين من تلامذته عبر عدة أجيال وهم صفوان العابد ومحمود فارس وأحمد خيري وعبود حلاق وفارس أحمر وأنس صباح فخري، فقدموا أجمل الأغنيات والموشحات والمواويل.
وقدم وزير الثقافة محمد الأحمد درعاً تكريمياً لصباح فخري، قبل أن يبدأ الحفل بأجمل ما غنى، فوزع الحفل على ثلاث وصلات هي الحجاز والراست والبيات.
ومن الأغنيات المنتقاة «فوق الناخل، اللؤلؤ المنضود، قدك المياس، قل للمليحة، ابعتلي جواب، يا شادي الألحان، مالك يا حلوة مالك، يا طيرة طيري، تحت هودجها، خمرة الحب، حالي حالي حال، يا مال الشام، أحن شوقاً».

نقطة مضيئة

مدير دار الأسد، المايسترو آندريه معلولي قال خلال كلمة ألقاها أمام الحضور إن لكل حضارة ولكل بلد أعمدة وثوابت وركائز يستند عليها، ويستمد قوته من قوتها وصلابتها، وفي بلدنا الحبيب الكثير والعديد من الركائز التاريخية والثقافية والفنية التي صنعت هويتنا الحضارية، وأحد أهم هذه الأعمدة الثقافية الفنية الصلبة اسم حمل رسالة الفن الأصيل والتراث السوري العريق طوال عقود من الزمان بثبات وشموخ وصلابة تضاهي صلابة وشموخ قلعة حلب، إنه الأسطورة الحية صباح فخري.
وأضاف: لقد استطاع بحرفيته وإبداعه والتزامه بالفن الحلبي السوري الأصيل أن ينقل هذا الفن إلى خارج حدود سورية، حيث أصبح اسم صباح فخري مرتبطاً بشكل وثيق بفخامة وعظمة وعراقة الفن الغنائي السوري في كل أنحاء العالم.
وأوضح أنه ليس بالإمكان الوقوف عند محطات مسيرته الفنية الغنية والطويلة لضيق الوقت، ولكن من المؤكد أنه استطاع خلال رحلته الطويلة التي أمضاها مع الغناء الأصيل أن يؤسس مدرسة يتخرج فيها العديد من المطربين أمثال الفنانين الذين سوف يغنون أمسيتنا مقتدين بمعلمهم الكبير صباح الفخري وسائرين بكل ثقة على خطاه.
وختم معلولي: إننا اليوم نعتز بأننا نكرم العملاق صباح فخري من خلال أمسيتنا هذه، إلا أنني أستطيع أن أجزم وبكل فخر بأنه هو من كرمنا بحضوره تكريماً كبيراً سيبقى نقطة مضيئة في ذاكرتنا وفي ذاكرة دار الأسد للثقافة والفنون.

قامة نادرة
بدوره، وفي تصريح خاص لـ«الوطن»، قال الموسيقار عدنان فتح اللـه: إن الفنان الكبير صباح فخري قامة نادرة لها فضل كبير لا ينسى على الموسيقا والتراث السوريين ولا حتى بعد ألف عام، فقد حمى هذا التراث ونظمه بطريقة أكاديمية، وهو مرجعيتنا الوحيدة وخاصة أن بعض الموشحات تعرضت للتقليد.
وأكد أن الفرقة الموسيقية قدمت تحية متواضعة، متمنياً أن تكون على قدر المسؤولية، وأن تكون قد قامت بالواجب وردت بعضاً من الجميل الذي قدمه للموسيقا العربية.
وبين أن الفرقة وفي كل حفل، تقدم شيئاً يتعلق بتوثيق التراث بدقة عالية، وخاصة أن الجيل الشاب لا يتسنى له الاستماع إلى هذا النوع من الغناء إلا عبر فرقتنا.
وأوضح أنه من خططنا لنا كفرقة توثيق التراث الفني بطريقة احترافية، ونطمح إلى تقديم الموسيقا العربية الأصيلة بأبهى صورة.
سيرة غنية

صباح فخري من مواليد حلب 1933 ويعتبر من مشاهير الغناء في سورية والوطن العربي وعلماً من أعلام الموسيقا الشرقية، واشتهر كواحد من أهم مطربي الشرق، وقد أقام حفلات غنائية في بلدان عربية وأجنبية كثيرة وطاف العالم وتربع على عرش فن الغناء والقدود الحلبية.
ظهرت موهبته في العقد الأول من عمره، ودرس الغناء والموسيقا مع دراسته العامة في تلك السن المبكرة في معهد حلب للموسيقا وبعد ذلك في معهد دمشق، وتخرج عام 1948 بعد أن درس الموشحات والإيقاعات ورقص السماح والقصائد والأدوار والصولفيج والعزف على العود.
ومن أساتذته من أعلام الموسيقا العربية كبار الموسيقيين السوريين الشيخ علي الدرويش والشيخ عمر البطش ومجدي العقيلي ونديم وإبراهيم الدرويش ومحمد رجب وعزيز غنام، وقد كان في شبابه موظفاً بأوقاف حلب ومؤذناً في جامع الروضة هناك.
والده كان مقرئاً للقرآن الكريم ومنشداً صوفياً، ووالدته من أسرة دينية ذات تقاليد في الإنشاد الديني وحلقات الذكر الصوفي.
التحق بالتعليم في المدرسة القرآنية في حلب، حيث تعلم مبادئ العربية وعلوم البيان والتجويد والدين الإسلامي حتى عام 1947.
أول موال له كان «غرد يا بلبل وسلّ الناس بتغريدك» عام 1946وقد علمته إياه إحدى صديقات والدته، وتتالت جلساته مع صديقات والدته وجاراتها وبدأ يتعلم منهن ما كان يُغني في تلك الجلسات.
اصطحبه أخوه الأكبر عبد الهادي إلى مجالس الطرب، وهناك تعرف على عازف العود والملحن السوري محمد رجب، فتعلم منه موشح «يا هلال غاب عني واحتجب».
اختار له عازف الكمان الحلبي الشهير الذي صحبه في عروضه في مختلف المدن السورية اسم محمد صباح.
سمعه الموسيقار محمد عبد الوهاب وقال له: «مثلك بلغ القمة، ولا يوجد ما أعطيك إياه». وبقي الاثنان صديقين حتى رحيل عبد الوهاب.
وخلافاً للكثير من الفنانين العرب، لم يدرس أبداً في القاهرة أو يعمل فيها، مصراً على أن شهرته مرتبطة بالإرث الفني في موطنه سورية.
اشترك في العديد من الصور الغنائية بالإذاعة السورية كما اشترك بالغناء في بعض المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية.
من أعماله السينمائية فيلم «الوادي الكبير» مع المطربة وردة الجزائرية، كما شارك في فيلم «الصعاليك» عام 1965 مع عددٍ من الممثلين مثل دريد لحام ومريم فخر الدين، ومن برامجه التلفزيونية «أسماء اللـه الحسنى» مع عبد الرحمن آل ـرشي ومنى واصف وزيناتي قدسية، ومسلسل «نغم الأمس» مع رفيق سبيعي وصباح الجزائري، حيث سجل ووثق ما يقارب 160 لحناً ما بين أغنية وقصيدة ودور وموشح وموال وكان محافظاً على التراث الموسيقي العربي الذي تنفرد فيه حلب.
لحن وغنى قصائد عربية لأبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني ومسكين الدارمي، كما غنى لابن الفارض والرواس وابن زيدون وابن زهر الأندلسي ولسان الدين الخطيب.
كما لحن لشعراء معاصرين مثل فؤاد اليازجي وأنطوان شعراوي وجلال الدهان وعبد العزيز محي الدين الخوجة وعبد الباسط الصوفي.
غنى في كثير من المهرجانات، منها «تدمر، المحبة» في سورية، «جرش، شبيب، الفحيص» في الأردن، «بيت الدين، عنجر، عاليه «في لبنان»، «مهرجان الربيع في الموصل» في العراق، «سوسة، قرطاج، الحمامات، القيروان، «صفاقس» في تونس، «فاس» في المغرب، «مهرجان الموسيقا العربية» في مصر، «مهرجان الموسيقا الشرقية» في فرنسا، «مهرجان الثقافة» في قطر، «مهرجان الفرين الثقافي» في الكويت.
كما غنى باللغة العربية في العديد من الدول في قارات أوروبا وآسيا والأميركيتين وأستراليا.
دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية من خلال غنائه على المسرح مدة تتجاوز عشر ساعات متواصلة من دون استراحة في مدينة كاراكاس الفنزولية عام 1968.
شغل عدة مناصب منها نقيب الفنانين لأكثر من مرة، ونائب رئيس اتحاد الفنانين العرب، وعضو في مجلس الشعب في دورته التشريعية السابعة لعام 1998، وعضو في اللجنة العليا لمهرجان المحبة في اللاذقية، وعضو في اللجنة العليا لمهرجان الأغنية السورية ومدير عام للمهرجان الأول والثامن.
حصد الكثير من الجوائز والتكريمات، لعل أهمها وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة في 12 شباط 2007 في دمشق تقديراً لإنجازاته الكبيرة والمتميزة في خدمة الفن العربي السوري الأصيل وإسهامه في إحياء التراث الفني الذي تزخر به سورية والمحافظة عليه.
وكنوع من الرد المباشر على انحطاط الغناء العربي في معظم نماذجه، أسس صباح فخري معهداً فنياً في مدينة حلب سماه «معهد صباح فخري للموسيقا والغناء» هو الأول من نوعه لجهة طريقة التدريس، وتعليم اللغة العربية والتجويد.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock