قضايا وآراء

تقاطر وازدحام على طريق قصر قرطاج

| عبد المنعم علي عيسى

عندما أعلن رئيس هيئة الانتخابات الرئاسية التونسية نبيل بفون إقفال باب الترشح في الساعة السادسة من مساء 9 آب الماضي، بعد مرور سبعة أيام فقط على افتتاحه، كان عداد الهيئة قد وقف عند الرقم 98 مشيراً إلى حصيلة من تقدموا بأوراق ترشحهم لخوض الانتخابات الرئاسية التي ستجري يوم 15 أيلول الجاري، وإذا لم يكن هناك حسم نهائي في تلك الجولة فإن الجولة الثانية ستنطلق قبل 3 تشرين الثاني المقبل، وفي يوم السبت الماضي أعلنت الهيئة أن عدد من جرى قبول ترشيحهم هو 26 مرشحاً بات من حقهم إطلاق حملاتهم الدعائية بين 2-13 من هذا الشهر، بمعنى أن 70 بالمئة ممن تقدموا قد رفضت طلباتهم، ومع ذلك فإن المتبقين في الحلبة هم كثر قياسا إلى 10 ملايين نسمة، أو أكثر قليلا، هو تعداد سكان تونس الإجمالي، وهذا سيؤدي بالتأكيد إلى تشتت اكبر لدى الشارع التونسي ولن يكون واردا حدوث حسم من الجولة الأولى على الأرجح.
في تونس اليوم أكثر من 200 حزب يمتد طيفهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولربما يقرأ البعض هذه الخارطة السياسية على أنها ترميز لحيوية المجتمع ونضج طبقاته التي أفرزت إلى السطح إديولوجيات تروج لأفكار شرائح المجتمع وتحمي مصالحها، إلا أن ذلك يكون عادة في ظل مجتمعات تجاوزت مرحلة «الكولونيالية» التي ثبت بالدليل القاطع أن دولنا العربية كلها لا تزال في أتونها وهي بعيدة جداً عن مغادرتها، وخير الأدلة القاطعة على ذلك هو بروز الدور الذي اضطلعت به «منظمات المجتمع المدني» في العقدين الماضيين بما فيها مرحلة زلازل «الربيع العربي»، وفي هذه المرحلة الأخيرة تكشف القشر ليبان اللب ليتأكد أن تلك المنظمات ليست سوى الطبعة السياسية الأكيدة للديمقراطية الرأسمالية الغربية التي نشأت في ظروف مغايرة تماما لظروف المنطقة.
ابرز المرشحين ممن قبلت أوراق ترشحهم لخوض الانتخابات أربعة هم يوسف الشاهد (43 عاماً) رئيس الوزراء التونسي الذي تخاصم مع الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي في الأشهر الأخيرة من حكمه، وعبد الفتاح مورو (71 عاماً) الرجل الثاني في حزب النهضة الإخواني الذي حظي بإجماع 98 بالمئة من الأصوات في جلسة 6 اب التي تقرر فيها تبني الحزب لترشحه، الثالث هو رجل الأعمال نبيل القروي صاحب قناة «نسمة» الفضائية الذي اشتهر بعد إطلاق شعاراته التي تدعو للوقوف إلى جانب الفقراء على الرغم من أن سجله القضائي حافل بالعديد من التهم الموجهة إليه وهي في مجملها تختص بغسيل وتبييض الأموال، أما الرابع فهو عبد الكريم الزبيدي (69 عاماً) وزير الدفاع السابق الذي تنحى عن منصبه للتفرغ إلى حملته الانتخابية كما قال.
سادت الـ«بورقيبية» في تونس كنهج سياسي هو خليط بين العلمانية والبرغماتية التي كانت مفرطة في العديد من محطاتها منذ استقلال تونس عام 1956، بل إن ذلك النهج كان التيار الأهم من بين التيارات الحاملة لفكر الاستقلال، وما جرى في عام 1987 عندما أزاح زين العابدين بن علي الرئيس بورقيبة عن الحكم بذريعة «عدم أهليته الصحية» لم تكن تلك الإزاحة تمثل قطيعة مع النهج بل كانت استمرارا له في كل جوانبه ورؤاه، إلا أن حادثة إحراق محمد بوعزيزي لنفسه في كانون الثاني 2011 كانت قد أضرمت النار أو هي شحذت الهمم في أنسجة أخرى متناقضة في نهجها مع النهج الذي ساد على امتداد 54 عاماً ماضية، لتفتح الأبواب التونسية على مصاريعها عبر شرارة كان تمددها «السيفوري» مؤشراً إلى أن «الكرم» قد تراكم فيه الكثير من الحطب المهمل، وبها دخلت البلاد في أتون نفق مظلم ليشكل وصول الباجي قايد السبسي إلى الحكم عام 2014 بقعة ضوء في آخر النفق وان كانت لم تحقق الكثير بفعل القدر الذي أسدل الستار عليها في أواخر تموز الماضي، وهي في المجمل كانت إنهاء لمرحلة امتدت أربع سنوات مثلت في عمقها محاولات لترسيخ القطيعة مع «البورقيبية» ذات الجذور العميقة في النسيج التونسي.
كان عبد الكريم الزبيدي آخر الساسة الذين التقاهم السبسي يوم 22 تموز الماضي أي قبل رحيله بثلاثة أيام، وبعد تلك المقابلة التقى الزبيدي رئيس البرلمان محمد الناصر ثم السفير الأميركي في تونس، وما تشير إليه اللقاءات السابقة أن وزير الدفاع السابق يحظى بمباركة السبسي الراحل ناهيك عن أنه يحظى بـ«رضا» أميركي لا يمانع في وصوله إلى قصر قرطاج إذا ما استطاع انجاز التوازنات القادرة على رسم ذلك الوصول وجعله واقعا.
هموم الناخب التونسي في هذه المرحلة تغلب عليها أحوال المعيشة لكن دون أن يغيب عنها لبوس النهج والسياسات المتبعة للوصول إلى تحسينها، وما بين الحالتين سيكون الزبيدي مستفيداً من حال النفور الحاصل بين شرائح واسعة من المجتمع التونسي وبين حزب النهضة الإخواني، وكذا من التوتر الذي شهدته العلاقة بين يوسف الشاهد وبين قايد السبسي قبل رحيله، وسيستفيد أيضاً من التوتر الحاصل بين باريس وروما في ليبيا حيث الساحة التونسية تلقى اهتماما بارزا في ذلك الصراع، وكل ذلك سيكون أوراق رابحة تصب في مصلحته فترجح فوزه وان كان من المرجح أن الروافع هذي كلها ستكون بحاجة إلى اجتياز ذلك كله على مرحلتين.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock