اقتصاد

أمام استمرار تشويه الهدف الأساس من إطلاق التشاركية وغموض المفهوم … 14 ملاحظة لتصحيح مفهوم التشاركية وتعديل قانونها في سورية

| بقلم المستشار الاقتصادي - الدكتور نبيل سكر

حرضني على كتابة هذه السطور ما قرأته حول ندوة التشاركية بين العام والخاص التي نظمتها غرفة تجارة دمشق بتاريخ 10/7/2019 ضمن ملتقى الأربعاء الأسبوعي، وما لحظته من استمرار تشويه الهدف الأساس من إطلاق التشاركية في سورية منذ نحو عشر سنوات واستمرار غموض المفهوم لدى المستفيدين المحتملين منها والخلط بين التشاركية والقطاع المشترك. وأكتب هنا للتذكير بما كتبته حول هذا الموضوع في صحيفة «الوطن» بتواريخ 15 و16 و21 و22 شباط، و5 تشرين الأول 2017، لتصحيح مفهوم التشاركية والإلحاح على ضرورة تعديل قانون التشاركية كما جاء في نسخته الأخيرة بهدف تصويب المسار قبل أن تتم إقامة أي مشروع في ظل قانون قاصر.
وأود هنا توضيح ما يلي:
1- تم إعداد المسودات الأولى للقانون في العام 2009 لتشمل مشاريع البنية التحتية حصراً، ولكن تم توسيع نطاقه في مسودته الأخيرة، ليشمل، كما جاء في المادة (2) منه، «المرافق العامة والبنى التحتية والمشاريع العائدة ملكيتها للقطاع العام»، مستثنياً مشاريع النفط والغاز والثروات الطبيعية، أي إن القانون أصبح يشمل المشاريع الإنتاجية والخدمية الهادفة إلى الربح، وقد صدر للقانون بعد ذلك تعليمات تنفيذية أعدت خلال ثلاثة أسابيع فقط (بناء على إصرار الوزير المختص في حينه) رغم اتساع نطاق القانون وتنوع وتعدد مشاريعه، فجاءت التعليمات التنفيذية قاصرة مثلها مثل القانون نفسه.
منذ ذلك التوسع في نطاق القانون تدفقت مشاريع القطاع العام المقترحة للتشاركية، واتسع الحديث عن التشاركية، وأصبحت عنواناً رناناً يتغنى بها أصحاب القرار والبيروقراطيون الكبار والصغار والمنظّرون الإعلاميون، حتى إن رئيس الوزراء السابق – وائل الحلقي- جعل التشاركية هوية اقتصادية، واعتبر أنها تشكل الجيل الثالث من أجيال الاقتصاد السوري، إذ يشكل الجيل الأول جيل القطاع العام، والجيل الثاني جيل اقتصاد السوق الاجتماعي، والجيل الثالث جيل التشاركية.

2- إذا أردنا طرح التشاركية بمعنى مشاركة القطاع العام والخاص في التنمية الاقتصادية والاجتماعية (بصيغ مختلفة) وصولاً إلى التنمية التضمينية والمستدامة، فهذا جيد ومطلوب، لكن هذا غير مفهوم التشاركية الذي ظهر في العالم في العقود الأربعة الماضية بهدف إشراك القطاع الخاص في تنمية البنى التحتية، وهو المفهوم الذي بدأنا اعتماده في سورية في العام 2010 ثم تراجعنا عنه في القانون الجديد، القانون رقم 5 لعام 2016.

3- التشاركية التي تعنينا هي علاقة تقنية تتضمن إدخال القطاع الخاص في مشاريع البنى التحتية للاستفادة من خبراته الفنية والإدارية وقدراته المالية، ولتخليص الدولة من أعباء مشاريع تقع عادة ضمن مسؤوليتها ولا يدخل إليها القطاع الخاص بسبب عدم ربحيتها ومخاطرها العالية.
لذلك جاءت الحاجة لقانون يقدم الحافز للقطاع الخاص للدخول في هذه المشاريع وليتحمل تكاليفها وليشارك القطاع العام في مخاطرها ولينظم ويوازن العلاقة بين طرف يهدف إلى الربح (الخاص) وطرف يهدف إلى المنفعة العامة (العام)، ولا تدخل جهة القطاع العام الإداري صاحبة المشروع في ملكية الشركة المنفذة للمشروع، بل تبقي ملكية الشركة للقطاع الخاص، ويشرف القطاع العام الإداري صاحب المشروع على أدائها.

4-لا حاجة للمشاريع الإنتاجية الربحية أن تنضوي تحت قانون التشاركية، مهما كان القطاع الذي تنتمي إليه، لأنه لا يوجد تضارب مصالح بين الطرفين العام والخاص في هذه المشاريع، فالطرفان يشتركان بالاستثمار والملكية في شركة المشروع، وكلاهما يهدف إلى الربح فيها، وبالتالي يمكن لهذه الشراكة أن تخضع لقوانين التجارة والشركات والعمل والضرائب التي يخضع لها القطاع الخاص.
لكنه في الحالة السورية نجد أن طرف القطاع الخاص الراغب في المشاركة، تؤسس شركاته وتخضع نشاطاتها ورواتب عمالها لقوانين وضوابط معينة، في حين يخضع طرف القطاع العام الراغب بالمشاركة لقوانين وأنظمة وضوابط أخرى للتأسيس والتشغيل، فقد صدرت قوانين في السابق تنظم عمل هذا القطاع المشترك في قطاعات الزراعة والسياحة والصناعة، وأهمها القانون رقم 10 لعام 1986 المتعلق بالقطاع المشترك الزراعي، والقوانين الخاصة بمشاريع معيّنة في القطاع السياحي مثل مشروع المنشآت السياحية ومشروع ترانستور ومشروع عمريت، وقوانين خاصة في القطاع الصناعي شملت مشروعي الخيوط الجراحية وابن زهر للصناعات الصيدلانية.

5- التشاركية ليست ملجأ لمعالجة المشاريع المتعثرة في القطاع العام كما تراها وزارة الصناعة وكما تراها جهات أخرى في الحكومة. والغريب أنهم يعتقدون أن القطاع الخاص سيركض وراء هذه المشاريع «المكتنزة بالأرباح الدفينة»، وينسون أن معظمها مؤسسات أصبحت آلاتها ومعداتها خردة. كما أنه من المستحيل أن تجد مستثمراً خاصاً يقبل أن يدخل شريكاً ضمن الشروط المعقدة التي حددها القانون لإقامة هذه المشاريع (قديمة أو جديدة) وللرقابة عليها، علماً أن هذه الشروط تصلح لمشاريع البنى التحتية ولكنها لا تصلح للمشاريع الإنتاجية الربحية. وللتدليل على هذه الشروط الصعبة نقترح مراجعة المواد 12-16 و31-42، و46 و57-58 و61-65 و78 من القانون.

6- التشاركية ليست خصخصة، لأن ملكية المرفق العام في عقد التشاركية تعود للدولة بعد انتهاء العقد الذي قد يمتد لعشر أو لعشرين سنة أو أكثر، ولكن حتى إذا كانت التشاركية خصخصة وإذا أصرّ البعض أن يعتبرها خصخصة، فما العيب في ذلك إذا تمت هذه التشاركية بشفافية تامة ومن دون فساد، ولماذا الرفض للقطاع الخاص مادام اقتصادنا الجديد قد تصالح مع القطاع الخاص منذ بداية التسعينيات ومادام قد تبنى اقتصاد السوق الاجتماعي رسمياً منذ العام 2005.

7- لابد من التذكير أن مشاريع التشاركية تقام وتشغّل تحت إشراف الدولة التي تعتبر هي المسؤولة في نهاية المطاف عن توفير المرفق العام للمواطن بالجودة اللازمة وبالسعر العادل ولمصلحة المواطن، وهي كذلك المسؤولة عن الشفافية وتكافؤ الفرص في تلزيم المشاريع وإخضاع عقد الشراكة لمبادئ الحوكمة الرشيدة لضمان عدم احتكار الأقوياء (السوريين وغير السوريين) لهذه المشاريع أو الإساءة إليها، وللتأكد من عدم استخدام القانون لغسيل رؤوس الأموال. وواقع الأمر أن أهمية هذا الدور للدولة في هذه المشاريع لا تقل عن أهمية دور القطاع الخاص فيها.

8- أتاح القانون المدني السوري الصادر عام 1949 للدولة إمكانية تعاقدها مع القطاع الخاص لإدارة مرفق عام، وذلك بموجب عقد يسمى «عقد التزام المرافق العامة»، وقد عرّف القانون المدني هذا العقد في مادته رقم 634 بأنه «عقد الغرض منه إدارة مرفق عام ذي صفة اقتصادية، ويكون هذا العقد بين جهة الإدارة المختصة بتنظيم هذا المرفق وبين فرد أو شركة يعهد إليها باستغلال المرفق فترة معينة من الزمن».
إذاً، فقوانيننا النافذة ومنذ العام 1949 تسمح بإقامة مشاريع تشاركية بين العام والخاص لإدارة مرفق عام.

9- تعتبر التشاركية في مرحلة إعادة الإعمار حاجة ملحة بسبب كلفة إعادة بناء ما تم تدميره في البنية التحتية من طرق وجسور وكهرباء وطاقة متجددة واتصالات وشبكات مياه وصرف صحي وغيرها (والتي تقدّر بما لا يقل عن 200 مليار دولار)، فضلاً عن كلفة إعادة بناء البنى الإنتاجية، في ظل تدني موارد الدولة وتعاظم مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية بعد الأزمة.
ولا شك أن الدولة ستتولى إقامة معظم مشاريع البنى التحتية في نهاية المطاف، ولكن إذا تركنا إقامة هذه المشاريع للدولة وحدها بعد الأزمة، فستغرق الدولة في مديونية داخلية وخارجية لا حد لها، وستضطر بعد حين إلى رهن بعض مرافقها العامة لجهات خارجية تسديداً لديونها، أو إلى دعوة صندوق النقد الدولي للإنقاذ.

10- المطلوب الآن هو تعديل قانون التشاركية الحالي، لإخراج مشاريع القطاع العام الإنتاجية والخدمية الربحية (مشاريع القطاع المشترك) من نطاق عمله وإبقائه محصوراً بمشاريع البنى التحتية والمرافق العامة كما هو الحال في قانون التشاركية المصري (القانون رقم 67 لعام 2010)، وقانون التشاركية الأردني (القانون رقم 31 لعام 2014)، وقانون التشاركية التونسي (القانون رقم 49 لعام 2015).

11- وبالتلازم مع التعديل أعلاه نقترح إصدار قانون آخر يخضع له جميع مشاريع القطاع المشترك الإنتاجي والخدمي في القطاعات الاقتصادية الربحية كالصناعة والزراعة والسياحة وأي قطاع اقتصادي آخر، وإخضاع هذه المشاريع لأنظمة وقوانين القطاع الخاص. وحين يأتي اليوم الذي يتم فيه إصلاح القطاع العام الاقتصادي، حيث يعمل بقوانين السوق ويخضع لأنظمة ومعايير وقوانين القطاع الخاص نفسها، أو اليوم الذي يخرج فيه القطاع العام السوري من العملية الإنتاجية، تنتهي الحاجة لقانون القطاع المشترك المقترح.

12- يجب التنبه إلى أنه حتى إذا صلح قانون التشاركية رقم 5 لعام 2016، فنحن غير مستعدين للتشاركية بعد، إذ هناك حاجة لرفع مستوى مؤسسة القطاع الخاص الإنتاجية التي ستتولى الريادة والتي سيتطلب منها رؤوس أموال كبيرة، وحاجة لتحسين بيئة الاستثمار لجذب القطاع الخاص. وهناك حاجة، من جهة أخرى، لتقوية قدرات الدولة الإدارية والتنظيمية والتنفيذية، كي تستطيع جهات الدولة المعنية إعداد ملفات مشاريع التشاركية وطرحها بكفاءة وشفافية، وهناك حاجة ثالثة لتطوير القطاع المصرفي والمالي غير المصرفي لإدخال التمويل الطويل الأجل إلى القطاع المصرفي، حيث لا يمكن للقطاع المصرفي الحالي المعتمد على الودائع القصيرة الأجل تمويل مشاريع البنى التحتية والمرافق العامة الطويلة الأجل. ولا شك أن إدخال التمويل الطويل الأجل إلى السوق يبدأ من خلال تفعيل قوانين المصارف الاستثمارية والتمويل العقاري والتأجير التمويلي التي صدرت في الفترة ما بين 2010 و2012. وتزداد الحاجة لتفعيل هذه القوانين حيث ألزم قانون التشاركية القطاع المصرفي السوري في مادته رقم 61 «تمويل جزء من التمويل المصرفي المطلوب لهذه المشاريع وفق النسب التي يحددها طلب العروض أو المجلس».

13- يجب التأكيد على ضرورة الإسراع بالتعديل المطلوب لقانون التشاركية والإسراع بالاستعداد لها، نظراً لأهميتها الملحّة في إعادة إعمار ما تهدم من بنى تحتية خلال ثماني سنوات من الأزمة، ولأهمية إعادة إعمار خدمات هذه البنى للمواطن كما أهميتها لدعم القطاعات الإنتاجية الأساسية وأهميتها للتنمية المستدامة على المدى البعيد.

14- أخيراً، نقترح أن تحدد الحكومة أربعة أو خمسة مشاريع بنى تحتية تعتبرها ذات أولوية وجديرة بالتشميل في قانون التشاركية، بدءاً بإعداد دراسة جدواها الاقتصادية والاجتماعية، بما فيه مخاطرها وأسعار مخرجاتها وأثرها في القطاعات الاقتصادية المختلفة وعلى المجتمعات المرتبطة بها، كما دراسة طريقة تمويلها وطرحها وتلزيمها والإشراف على تنفيذها، وذلك للاستفادة من الوقت إلى أن يتم التعديل المقترح في القانون، فدراسة كهذه تتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً وكفاءة وذهنية في الدراسة والتقييم تختلف كلياً عن ذهنية وأسلوب دراسة المشاريع الإنتاجية الربحية التي لا تحتاج لأكثر من أشهر معدودة لإعدادها، ونقترح أن نبدأ من هنا بالتلازم مع البحث في تعديل القانون تعديلاً جذرياً كما بالتلازم مع بدء الاستعداد لتطبيقه على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock