ثقافة وفن

الأندلس شامية في بيوتها ونمط حياتها

| المهندس علي المبيض

سورية بحكم موقعها الجغرافي بلاد مرور واحتكاك تجتازها وتتقاطع فيها الطرق الطبيعية التي تصل شرق آسيا بالبحر الأبيض المتوسط وتصل الشمال بالجنوب باتجاه الجزيرة العربية وإفريقيا، وقد قامت فيها ممالك وإمبراطوريات عظمية قدمت للعالم سلسلةً من الاكتشافات والاختراعات التي ساهمت بازدهار البشرية وتقدم العلوم والفنون في شتى المجالات، واستوطنها العديد من الأمم منها السومريون والأكاديون والأموريون والبابليون والآراميون والحثيون والآشوريون والفرس واليونانيون والرومان والعرب، ومن هنا تبرز أهمية قراءة التاريخ بتمعن ودراسة عوامل قوة تلك الحضارات وأسباب زوالها (لأننا وكما قال «مارتن لوثر كينغ» نحن لا نصنع التاريخ بل التاريخ هو الذي يصنعنا)، والغاية من ذلك هي أن يكون القارئ على معرفة بأهمية ماضيه والدور الذي لعبته سورية عبر تاريخها الطويل، وأن يضعه من التقدير في مكانه المناسب وأن يمد جسور التواصل بين الماضي والحاضر للانطلاق نحو المستقبل المشرق بثقة لا يدانيها أي شك، على اعتبار أن سورية هي بلد منتج للحضارة وليس متلقياً لها، ونؤكد في هذا المجال أن الأوابد والمعالم التاريخية والمواقع الأثرية في سورية جديرة بالزيارة والتعرّف إليها، وهي تمثّل قيمة ثقافية وفنية وحضارية كبيرة نتمنى أن تكون قريبة من الجميع وأن يتسنى لكل واحد منا فرصة زيارتها والتعرّف إليها وتسجيل لحظات لن تنسى بحضرة أوابدها وأمام عظمة الإنسان الذي بناها وأبدع في هندستها.
وفي معرض الحديث عن الرصافة حيث كانت موضوع المقال السابق والتي أسهم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في عمرانها وازدهارها، نجد أنه من المفيد أن نعطي فكرةً موجزةً عن طبيعة الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة قديماً في بلاد الشام قبل العهد الأموي، حيث شهدت هذه المنطقة خلال فترة الإمبراطورية الرومانية أي في القرون الأولى للميلاد عدة أزمات وفتن داخلية، وتعرّض المسيحيّون في تلك الفترة إلى اضطهادات شديدة ومضايقات كبيرة في أداء عباداتهم، واستمرت هذه الاضطهادات حتى عام 313 م وهو تاريخ صدور مرسوم ميلانو الذي أصدره الإمبراطور الروماني قسطنطين حيث منح بموجبه حرية العقيدة وأضفى الشرعية على العبادة والشعائر الدينية المسيحية، ونصّ على حياد الإمبراطورية الرومانية وعدم تدخلها بشؤون العبادة لينهي بذلك مرحلة اضطهاد المسيحيين التي كانت سائدة، لذلك ففي القرن الرابع الميلادي وتحديداً بعد صدور مرسوم ميلانو أصبحت الرصافة مَقصداً للحج المسيحي وقدم إليها الحجّاج للاحتفاء بالقديس سيرجيوس الذي استشهد في الرصافة إبان عصر الاضطهاد المسيحي، وقد بنيت الكنيسة للاحتفال بقبر القديس وتطورت حتى أصبحت مركز الحج الأكثر أهمية في وسط الأبرشيات البيزنطية مع أهمية جاذبة بصفة خاصة للمسيحيين المحليين من العرب وخاصة الغساسنة، وكان القرن الرابع الميلادي انطلاقة للفن المعماري المسيحي بشكل علني وأصبح من الواضح جلياً أن فنون العمارة المسيحية في منطقتنا قد مرت خلال تطورها بمراحل مهمة، ففي بداية القرن الرابع الميلادي لم تكن معالم شخصية الفن المعماري المسيحي قد اتّضحت بعد ولكن بدأ يثبت أقدامه وطابعه الشخصي المميّز خلال الربع الثاني من القرن نفسه، وفي منتصف القرن ذاته توسّع الفن المعماري المسيحي توسعاً ملموساً وتجلى ذلك في إشادة كنائس ضخمة وكاتدرائيات لائقة وفي القرن الخامس الميلادي اتّصفت الكنائس بالغنى الوفير من العناصر الزخرفية الجديدة، ومن أهم المراكز التي انتشرت فيها فنون العمارة المسيحية السورية الكنائس والكاتدرائيات التي يعود تاريخها إلى القرون المبكرة الرابع والخامس والسادس الميلادية، أما في القرن السادس الميلادي فقد بدأ فصل وفرز العناصر الدخيلة على العمارة السورية خلال القرون السابقة وانتقاء ما يناسب ثقافة وطبيعة المجتمع السوري، وتم وضع ضوابط ومواصفات وصياغة مبادئ جديدة لتطور وإغناء هذا الفن الجديد، ومع تطور بناء الكنائس وبشكل تدريجي تم تشكيل هوية معمارية خاصة لفنون العمارة المسيحية في سورية حيث حققت العمارة السورية استقلالاً لا بأس به عن تأثيرات العمارة البيزنطية التي كانت سائدة وبقوة في تلك الفترة، والتي تتجلى بأبهة وفخامة الجدران الداخلية للكنيسة وتزيينها بلوحات الفسيفساء الزاهية وألواح المرمر والرسوم الجدارية البديعة، وكانت تهمل مقابل ذلك خلق أي تأثير أو جاذبية من الخارج، على حين يتميز أسلوب العمارة المحلية في سورية والتي يحق لها أيضاً أن تفتخر بتراثها الأصيل، وأنها لا تعتمد على الزخرفة السطحية فقط بل تتعدى ذلك إلى زخرفة البناء داخلياً وخارجياً والنحت على الحجر نفسه بطريقة الحفر العميق الذي يترك انطباعاً للبعد الثاني المستعمل في البناء وإبراز زخارف معمارية بحتة فيها البساطة والواقعية والجمال.
وحين اتخذ الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك من الرصافة مقراً لدار إقامته ولاستقبال ضيوف الدولة ونقل مقر الخلافة من دمشق إلى مدينة الرصافة وذلك خوفاً من وباء الطاعون الذي كان يغزو دمشق بين الحين والآخر، عزّز هذا التوجه وعمل على تشجيع دمج فنون العمارة في العصر الجاهلي في الجزيرة العربية مع فنون البناء التي كانت سائدة عند الغساسنة، حيث كان كثيراً ما يختلف في نسب المباني وعائديتها إما للأمويين أو للغساسنة التي كانت بدورها متأثرة بالعمارة البيزنطية والساسانية، فأسّس بذلك أسلوب العمارة الأمويّة ووضع قواعدها وشكّلت مرحلة انتقالية من الفنون المسيحية إلى الطراز العباسي، فازدهرت بذلك فنون بناء الكنائس وفنون بناء المساجد على السواء واستفادت منها الحضارات التي قامت فيما بعد وشاع استخدام أسقف الجملوني الخشبي المحمول على أكتاف الحجر واستخدام المرمر في الأرضيّات.
وهشام بن عبد الملك (691-743) م هو الخليفة الأموي العاشر، الذي حكم الدولة الأموية منذ عام 723 م وتوفي عام 743م في الرصافة واعتبرت وفاته نهاية عهد الخلفاء الأمويين الأقوياء. شجّع هشام بن عبد الملك العلم والعلماء وعزّز مكانتهم وفرض احترامهم في المجتمع وقرّبهم من مجلسه وعمل على تطوير الزراعة وأنظمة الري المستخدمة، ونشّط العمل في القطاع الزراعي فجفّف المستنقعات وزاد مساحة الأراضي المزروعة على ضفاف الأنهار وفي أغلب بلاد الشام، واهتم بتوسيع رقعة الدولة وحقق العديد من الانتصارات على الروم وفتح العديد من البلدان وأرسى قواعد الأمن والأمان في جميع أنحاء الدولة، وسميت رصافة هشام نسبةً لذلك وكانت مكتظّة بالحدائق والبساتين وتشكّل نسخةً مصغرةً عن بساتين دمشق، وعند قيام الدولة العباسية اختبأ الأمير عبد الرحمن الداخل حفيد هشام بن عبد الملك على حدود الرصافة عند بعض القبائل القاطنة على ضفاف نهر الفرات شمال سورية، ثم انتقل إلى دمشق قبل أن يتوجه للأندلس وهو في التاسعة عشرة من العمر وأسّس هنالك دولة جديدة للأمويين، وبنى صقر قريش الأمير عبد الرحمن الداخل رصافة الأندلس شبيهة برصافة هشام وهو يعبر بذلك عن حنينه لموطنه الذي أخرج منه مرغماً، ورصافة الأندلس هي مدينة ملكية تقع بالقرب من قرطبة حيث جعلها مقراً صيفيّاً له لارتفاعها عن قرطبة وإطلالتها على نهر الوادي الكبير مقتفياً بذلك مسيرة جده هشام بن عبد الملك باني رصافة سورية حيث بدأ العمل جاهداً على نقل حضارة بني أمية إلى الأندلس، واهتم صقر قريش بأبنيتها فاستقدم معماريّين من دمشق واستفاد من خبراتهم ونشر طراز العمارة الأموية التي أسّس لها هشام بن عبد الملك في بلاد الشام، فأشاد المدينة تلو المدينة مستفيداً من العلماء والمعماريين والحرفيين الوافدين إلى الأندلس من دمشق والقاهرة.. وحتى الأدباء والشعراء فالحياة الأدبية مثلاً كانت صورة معبرة للحياة الأدبية الشامية، إذ إن الشعر الأندلسي كان كلاسيكياً يحاكي شعر الفرزدق والأخطل وجرير بعد أن تأثّر بطبيعة الأندلس المفعمة بالجمال والأزهار والألوان والانفتاح الفكري الجديد، ونتيجة لهذا التمازج والتلاقي مابين مهارات وخبرات وصناعات وثقافات الشرق والغرب فقد بلغت الحضارة في الأندلس ذروتها وبالأخص في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، وكان للحضارات التي قامت في بلاد الشام تأثيرها في نضوج الحضارة الأندلسية وارتقاؤها في سلم التطور والتقدم، وأبعد من ذلك فقد حاول عبد الرحمن الداخل أن يجعل من عاصمته قرطبة صورة طبق الأصل عن دمشق وخصوصاً لجهة بناء البيوت وأسلوب الحياة في أزقتها وأشجارها وحدائقها، كما بنى قصره وفق طراز معماري يحاكي بشكل أو بآخر قصر أجداده في الشام وخاصةً قصر الرصافة وهو قصر صيفي يقع شمال غرب قرطبة يشبه قصر رصافة هشام الذي تحدثنا عنه سابقاً، كما اقتبس الفن المعماري الدمشقي وخصوصاً في بناء المساجد، فمسجد قرطبة مثلاً شبيه بالمسجد الأموي في دمشق، كما جلب من الشام الأشجار المثمرة مثل النخيل والتين والرمان والعنب، وبالمناسبة فقد زرع صقر قريش في حديقة قصره أول شجرة نخيل في الأندلس وانتشرت زراعتها بعد ذلك في بقية المدن الأندلسية.
مستشار وزير السياحة

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock