ثقافة وفن

الاحتفاء بالمعري .. ودورة معرض الكتاب تحمل اسمه … ذمّ الدنيا وتكالب الناس عليها وسمى الدنيا «أم الدفر»

| جُمان بركات

لم تنجب الحضارة العربية في العصور الحالية من يفوق أبا العلاء المعري في أصالة الرأي ونفاذ البصيرة وصدق النظرة وروعة الخيال وإحكام القول وسلامة التعبير والإحاطة بالعربية وعلومها، وكان هذا العام شخصية معرض الكتاب التاريخية بدورته الحادية والثلاثين، حيث أقيمت ندوة بعنوان: «أبي العلاء المعري شاعراً وفيلسوفاً» في مكتبة الأسد، وأدار الندوة الأستاذ سمير عدنان المطرود الذي قال في تصريحه: إن أبا العلاء المعري شاعر إشكالي وفيلسوف كبير ظلمه الكثير من النقاد سواء القدماء منهم أم المعاصرون، كما اهتم به العديد من علماء العالم وأغفله البعض، واختيار إدارة معرض مكتبة الأسد اسم أبي العلاء المعري ليكون شخصية المعرض التاريخية في دورته الحادية والثلاثين جاء ليعيد لأبي العلاء البعض من الحق المسلوب منه، وخاصة أنه من أصحاب تيار «إمامة العقل» بمعنى أنه صاحب التفكير باتجاه الحياة الحقيقية، ويدعو إلى النور بخلاف أولئك الظلاميين الذين حاولوا جز عنق تمثاله.

علائيات أبي العلاء
في البداية تحدث مدير قسم إحياء التراث في الهيئة العامة للكتاب د.محمد قاسم عن «مقيدات مختلفة الفنون تفرد بها أبو العلاء أو عن علائيات أبي العلاء 449هـ» قال فيها:
لم يشغل النقاد والباحثين أديب عالم وفيلسوف مفكر كما شغلهم رهين المحبسين، فقد أربت مصادر دراسته على نحو 350 مصدراً وتجاوزت كتبه نحواً من سبعين. ولد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري في معرة النعمان سنة 363 هجري، عُمي بمرض الجدري أول سنة سبع وستين وكان متوقد الخاطر على غاية من الذكاء.
وأضاف د.قاسم عن حفظه وواعيته: العميان أصح الناس حفظاً وأوعاهم وأذكاهم، والسبب في ذلك عدم تشتت الباصرة في المغازي والمسالك، وأن كل قوة طبعية يزيد فيها الإعمال، وينقص منها الإهمال، والعميان أحوج من البصراء إلى حفظ الأشياء، وقد روي في حفظهم أخبار ونوادر، شوارد سوائر. وقالوا: كان بالمشرق لغوي وبالمغرب لغوي ولم يكن لهما ثالث وهما أبو العلاء وابن سيده، وقال التبريزي: ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها أبو العلاء. وكثير من كلامه انتزعه من الأشياء القريبة التي لا يكترث بها غيره، والتمس ما فيها من معان عالية واستعملها في أغراض ومقاصد بديعة كالحكمة والتشبيه.
ومن مقيدات أبي العلاء، قال د.محمد القاسم:
تأصيل لفظ الأستاذ: الأستاذ كلمة ليست بالعربية وإنما جرت عاداتهم أن يقولوا للحاذق في الصنعة إنه أستاذ ولا يوجد ذلك في الشعر الجاهلي، ولو كان عربياً لوجب أن يكون اشتقاقه من «الستذ» وليس ذلك بمعروف. وتأصيل لفظ لبانة: وهي الحاجة، وأصل ذلك أن الرجل منهم كان يطلب اللبن من غيره فيقولون أعطاه لبانة، ثم كثر ذلك فأصبح كل حاجة لبانة. وتأصيل لفظ الحمّام: وهو اسم مذكر لأنه يراد به البيت الذي يحم فيه الماء أي يغلي ويجوز أن يكون أخذ من الحميم أي العرق.
وتابع متحدثاً ذاكراً أمثلة في رواية ومعاني الشعر والإعراب ونقد الكتب وفي اللغة وبدائع القول وفي المعارف والمجالس.

شاعر كل العصور
قدم د.جهاد بكفلوني محاضرة بعنوان: «أبو العلاء المعري شاعر العصور كلها» وقال فيها:
كان المعري يكتب القصيدة ليس للعصر الذي عاش فيه، فقد استطاع بفكره الخلّاق وشاعريته الفذة وإبحاره في الفكر الإنساني في عالم رحيب أن يصهر الزمن كله في بوتقة واحدة، يذهب للماضي ويستحضره ومن ثم يدخله للحاضر وينتقل بهما للمستقبل البعيد ليصنع قصيدة لا تصلح للحظة التي كتبت فيها فحسب بل تمتد إلى اللانهاية، فهو دائماً يسبق عصره وعند قراءة لزومية من لزومياته يكون الشعور أنه انتهى من كتابتها قبل ساعة أو ساعتين ولم يكتبها قبل ألف عام، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك منها قصيدة سميت «رثاء الإنسانية» قالها عندما توفي أحد الفقهاء الأحناف واستطاع أن يجمع فيها بين بعدين مهمين هما الزمان والمكان ليستخلص قصيدة خالدة، يقول فيها:
إن حزناً في ساعة الموت… أضعاف سرور في ساعة الميلاد
وتابع د.بكفلوني: انتقد المعري الظواهر المرضية في عصره، وهو لا ينتقدها كظاهرة آنية بل كظاهرة يمكن أن تكون في العصور المتتالية، ونحن في هذا الزمن وجدنا شيوخاً لا يمتون للدين بصلة يصدرون فتاوى بقتل الشعب السوري الطيب بدعم خارجي ويقول فيهم المعري وفي أمثالهم:
تستروا بأمور من ديانتهم… وإنما دينهم دين الزناديق
نكذب العقل في تصديق كاذبهم.. والعقل أولى بإكرام وتصديق
كما ذم المعري الدنيا وتكالب الناس عليها، وسمى الدنيا بـ«أم الدفر» والدفر هو الرائحة الكريهة، كما ذم ذلك الإنسان المزدوج الذي يحظر على الآخرين شيئاً بينما يبيحه لنفسه وما أكثر أولئك المزدوجين في حياتنا.
في الحقيقة، نحن نقرأ شاعراً استطاع أن يدخل إلى كهف الزمن، ويأتي بكم هائل من المصابيح ليسرجها دفعة واحدة والزمن مضاء من منبعه إلى مصبه، وفي هذا البحر العميق استطاع المعري العظيم الغوص إلى الأعماق، واستخراج أفضل وأجمل الجواهر لنا، ولا يزال المعري مغارة نعرف كلمة سرها، وبوسعنا قولها لتفتح لنا أبواب الكنوز ولكننا مازلنا كسالى أو نعتقد أننا عرفنا ما يكفينا.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock