قضايا وآراء

سورية.. حروب متناثرة

| مازن بلال

تنفذ تركيا ما تسميه «المنطقة الآمنة» على إيقاع مألوف بالنسبة لها، فهذا السيناريو عرفه العالم عام 1974 عندما تدخلت أنقرة لتقسيم قبرص، ورغم اختلاف الآلية العسكرية أو حتى النظام السياسي آنذاك في تركيا، لكن التفكير بالمحيط الجغرافي لم يتبدل سواء بالنسبة للجيش التركي أم للأحزاب، وعند قراءة محاولة الاحتلال الذي تقوم به اليوم في الجزيرة السورية، فإن التصور الذي يظهر هو كبح عوامل التأثير الدولي قدر الإمكان.
في المقابل فإن الخطاب التركي الذي يتحدث عن الأمن واللاجئين هو في النهاية عناوين فقط، فالدرس التاريخي المعاصر هو أن هضبة الأناضول لا تستطيع تحمل التحولات السريعة في محيطها، وتماسكها كدولة يعتمد ليس فقط على الحياد تجاه الشرق كما فعل مؤسس الدولة التركية مصطفى كمال أتاتورك محاولاً بناء توازن مختلف، بل أيضاً استبعاد أي إمكانية لكسر هذا التوازن الذي قامت عليه تصورات أتاتورك لمرحلة ما بعد العثمانية.
عملياً فإن الاعتداء التركي الذي يثير لغطاً دولياً يشبه إلى حد بعيد المحاولات التي قام بها أتاتورك بعد الحرب العالمية الأولى، وأدت للملمة الجغرافية التركية والتأثير على مؤتمر الصلح في باريس فتم إلغاء معاهدة سيفر التي أعطت حق الأكراد في تقرير المصير، وظهرت في المقابل معاهدة لوزان التي ضمنت الحدود التركية الجنوبية كما تبدو عليه اليوم، ولاحقاً حققت لتركيا ضم لواء اسكندرون لتقليص المنفذ البحري لسورية، وإنهاء أي احتمال لظهور كيان كردي يتطلع نحو البحر عبر بوابة اللواء السوري.
ما يحدث اليوم لا يختلف استراتيجياً عن الطريقة التي تمت بها صياغة الدولة التركية الحديثة، ورغم الاتجاه الواضح لحزب العدالة والتنمية باتجاه ما يسميه البعض «العثمانية الجديدة»، إلا أنهم مازالوا يبحثون عن تماسك هضبة الأناضول وسط التحولات الدولية، وبالتأكيد فإن الاعتداء الحالي لا يحتاج لتبريرات بالنسبة للرئيس التركي رجب أردوغان، فهو يملك إرثاً من التناقض مع دمشق، وهو أظهر خلال السنوات التسع الماضية أعنف ما يملك لرسم ما أسماه وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو، في كتابه «العمق الإستراتيجي» بالحديقة الخلفية لتركيا، لكننا اليوم يمكننا رسم مؤشرين:
– الأول: أن تركيا التي استأثرت بطبيعة التدخل في سورية عبر المقاتلين الأجانب أو تنظيم ما يسمى المعارضة المسلحة، انتهت إلى تواجد أجنبي على مستوى أعلى بكثير مما يمكن توقعه، ومعركة عين عرب عام 2015 أثبتت أن الخطر في المحيط الجغرافي لتركيا أصبح خارج السيطرة، وغدت الحدود الجنوبية لتركيا متخمة بالتواجد العسكري الغربي رغم «رمزية» العدد الموجود، وبتحالف خطر مع الأكراد عبر ما يسمى قوات سورية الديمقراطية.
– الثاني: مرونة تركية تجاه وجود شركاء دوليين وإقليميين ضمن الحل السياسي، وذلك عبر سلسلة لقاءات أستانا، وهو أمر لم يكن وارداً سابقاً، ولكنها قبلت به لكسب رهان آخر يتعلق بالسعودية وربما بمصر فيما لو سار الحل السياسي بشكل أكبر مما هو قائم الآن.
حالة الخطر التي شعرت بها تركيا لا علاقة لها بالعثمانية الجديدة إنما بإمكانية ظهور تحولات على المستوى الدولي للنظام الشرق أوسطي، فالتحدي الذي تطرحه اعتداءاتها لا يمكن تفسيره فقط بضوء أخضر أميركي أو روسي، فهو في النهاية محاولة لفرض واقع عسكري سياسي يدفع اللاعبين الكبار للتفاوض بشأن حدود سورية الشمالية بكاملها.
رغم أن الحرب تحمل تداعيات غير متوقعة، لكن الاعتداء التركي كسر «توازن الحرب» في الشرق السوري، وهو التوازن الذي فرضه الوجود الأميركي بالدرجة الأولى، والاحتمالات المفتوحة اليوم ربما تقود لتحولات خطرة ولكن تركيا لا تنظر إلا لتمركز دولتها في الأناضول وللتحديات التي يمكن أن تواجهها في تحول النظام الشرق الأوسطي عموماً.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock