قضايا وآراء

بلفور عميل آل روتشيلد

| د. يوسف جاد الحق

النزعة الصهيونية الراغبة في قيام دولة لليهود تجمع شتاتهم، قديمة، قبل بلفور وهرتزل بزمن غير قصير.
كان الصهاينة يبحثون عن الوسائل والطرق والإمكانات التي تمكنهم من تحقيق حلمهم، في أي مكان وعلى أي أرض، وإن كان المتعصبون ليهوديتهم التلمودية المادية الاستغلالية يؤثرون الأرض الفلسطينية تحديداً لقدرتها الكامنة على الجذب ومن ثم الهجرة إليها، ذلك أنها، في رأيهم الأخرق واعتقادهم السقيم، أرض الميعاد، وأن اليهود شعب اللـه (يهوه) المختار! العلمانيون الماديون من بينهم ما كانوا مؤمنين بشيء من هذا، غير أنهم جنحوا إلى المسايرة والموافقة اعتقاداً منهم، هم أيضاً، بأنها الأقدر على الجذب الروحي ليهود الشتات، ومن ثم عمد خلفاؤهم عندما حان الوقت للتنفيذ، وخيروا بين الأرجنتين وأوغندا وفلسطين، واختاروا فلسطين بطبيعة الحال وللأسباب آنفة الذكر.
وعندما جاءت فرصتهم الذهبية التاريخية، إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى وأراد البريطانيون مكافأة خبير المتفجرات والديناميت اليهودي، حاييم وايزمان، مقابل خدماته لهم إبان تلك الحرب، سئل عما يرغب في الحصول عليه، أجابهم بدهاء اليهودي الماكر بأنه «لا يريد شيئاً لنفسه، وإنما لأبناء شعبه اليهود بوعد تعطيه لهم بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يلجؤون إليه».
كان آرثر بلفور يومئذ وزيراً لخارجية بريطانيا، وكان الرجل على صلة وثيقة بآل روتشيلد، كما تقول مصادر بريطانية، الذين أغدقوا عليه المال لتمرير ما طلب وايزمن، وإذ لم يكن بلفور ولا غيره يملك فلسطين، بادر الرجل إلى تقديم ذلك الوعد الجريمة.
ولما كان بلفور في حاجة إلى ذريعة تبرر ما أقدم عليه، فقد وجد ضالته، بينما كان قد سبق هذا الوقت ظهور بوادر هنا وهناك تدعو إلى التعاطف مع «اليهود البؤساء المسنين»! أولاً، في أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر، حيث عقد في مدينة بال السويسرية المؤتمر اليهودي الأول، الذي أسفر عن تشديد المطالبة بدولة لليهود، وعن بروز شخصية متحمسة للفكرة هو ثيودور هرتزل، الذي دعم موقفه ورؤيته ومطلب المؤتمر إياه بكتابه «الدولة اليهودية» عام 1896، ومنها ثانياً، دعوة أطلقها السياسي البريطاني كامبل بنرمان عام 1905 تنادي بإقامة كيان غريب في وسط المنطقة العربية كحاجز بشري يفصل بين عرب المشرق وعرب المغرب، الغاية منه:
أ- تأمين طريق المواصلات لبريطانيا إلى مستعمراتها في الهند، وجنوب الجزيرة العربية «المحميات ثم الإمارات».
ب- الحيلولة دون اتحاد العرب في المستقبل، وذلك عن طريق خلق الخلافات والخصومات والنزاعات بينهم، ولاسيما إذا أمكن الوصول إلى تقسيم بلادهم إلى دول ودويلات متفرقة ضعيفة.
كان هذا هوى الكثير من البريطانيين والأوروبيين، فضلاً عن اليهود، لكنهم حيث لم تتوافر لديهم المعرفة آنئذ، عن كيفية الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف، إلى أن سنحت الفرصة «السعيدة» في مؤامرة «سايكس بيكو» التي أسهم في ظهورها وتنفيذها، التآمر السياسي الغربي على العرب، والمال اليهودي لآل روتشيلد تحديداً.
كان من شأن «سايكس بيكو» أن قسمت البلاد العربية، بطريقة جعلت فلسطين من نصيب بريطانيا، تمهيداً لتنفيذ وعد بلفور، وذلك بعد أن نكثت عهدها الذي قطعته للشريف حسين إبان تلك الحرب العالمية، إذ كانت هي وحلفاؤها في حاجة إليه للخروج على السلطنة العثمانية، الرجل المريض، بإعلان ما يسمى الثورة العربية الكبرى للاستقلال والوحدة العربية!
لقد ثبت بالوثائق تآمر بلفور مع آل ـروتشيلد، مقابل المال، على إصدار ذلك الوعد، أي الجريمة الأكبر في التاريخ، لليهود، الذين سرعان ما بادروا، وقد أمست الطريق ممهدة، إلى دفع الدول المنتصرة في تلك الحرب إلى إنشاء ما سمي عصبة الأمم لكي تقرر انتداب بريطانيا على فلسطين، وكان ذلك القرار يخفي التواطؤ مع اليهود على إقامة دولة لهم على أرض فلسطين في نهاية المطاف.
وبالفعل قامت بريطانيا وفاء منها للوعد والعهد بأمانة بتعيين يهودي هو هربرت صموئيل مندوباً سامياً لها على فلسطين، كانت مهمة صموئيل هذا أن يضع البلاد في أحوال سياسية واقتصادية واجتماعية تساعد على إقامة الوطن القومي لليهود بفلسطين، وهو تماماً ما نص عليه الوعد.
قامت بريطانيا بكل ما استطاعت من تنكيل بالفلسطينيين، ومن قمع لثوراتهم المتعاقبة، ولاسيما ثورة 1936 – 1939 التي أشعلها الشيخ عز الدين القسام السوري العربي ابن مدينة جبلة، واستشهد أثناءها ولم يوقف تلك الثورة سوى تدخل الملوك والرؤساء العرب بطلبهم إلى الفلسطينيين بأن يوقفوا ثورتهم، بضمان استقلال لبلادهم فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدعوى أن بريطانيا وعدت بذلك، وأنها سوف تقدر لهم هذا الموقف، ذلك أنها تريد التفرغ لحربها مع ألمانيا وإيطاليا، ولا يكون هناك في فلسطين ما يشغلها أو يعرقل مجهودها الحربي.
ولكن، كالعادة، حنثت بريطانيا بعهدها، ولم تقم للمتدخلين من الملوك والأمراء العرب أولئك أي وزن، وكان ما هو كائن اليوم، قيام كيان لليهود نعيش آثاره وتداعياته ومفاعيله طوال هذا الزمن حتى اليوم.
هكذا نشأ الكيان الصهيوني الهجين على أرضنا بتضافر الجهود التآمرية بين بلفور سياسياً، وآل روتشيلد مالياً، وسايكس البريطاني وبيكو الفرنسي، تآمراً دولياً، واليهودية العالمية نفوذاً، وبعض الحكام من العرب تخاذلاً وعمالة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock