ثقافة وفن

بترا المملكة

| إسماعيل مروة

إنها سمفونية الوطن التي عزفها الرحابنة، صاغوها بدم وحب واقتدار عن وطن له مكانته عندهم وعند الإنسان، عند الحاكم والرعية على السواء، وبترا لا تعني الملك والملكة وحسب، بل تعني الجميع، تعني من في القصر، وتعني من هو خارج القصر، تعني الرعية و الجيش، وتشكل عائقاً صعباً أمام الرومان، الرومان الذين ساءهم أن تكون بترا مملكة عظيمة وحدها، وأن تملك جيشاً قوياً، وأن تملك رأياً، وأن تحرر أرضها من بقايا الرومان وأتباعهم، الرومان الذين ساءهم أن تخرج المملكة من رقّتهم، فأرسلوا إلى داخل بترا من يهدد ويتوعد، ومن براعة الأخوين رحباني أنهما لم يجعلا الرومان سواء، فمنهم الجندي الذي يعالج الأوامر وفق قناعاته الإنسانية، ومنهم القائد الذي يريد أن يحقق الغايات الامبراطورية بغض النظر عمّا تجرّه من خيبات وويلات، وعما يمكن أن ترتكبه بحق الناس والأبرياء.
بترا جيشها يدافع عن الثغور والحصون، وملكها يقود الجيش بنفسه هناك، تاركاً الملكة تؤدي مهامه في غيابه لرعاية المملكة والناس والقصر، الملك هناك يقود المعارك، ويعقد المعاهدات مع الممالك والإمارات التي تشبه بترا، ليحقق وحدة متكاملة في مواجهة الرومان وطغيانهم واحتلالهم.
لا يعتدي على الرومان، وإنما يحرر أرضه
لا يريد منهم سوى الخروج من أرضه
يعمل لتحقيق سيادته على ترابه وأرضه
وكم من بترا في حياة العرب الممتدة؟!
في كل زمان بترا، وفي كل وقت محتل روماني أو غير روماني، غايته أن يأخذ كل شيء، وأن يدع بترا بلا شيء وتابعة، وقد لا تقتصر هذه المسرحية على بترا محدّدة، ففي كل بقعة بترا، وفي كل مكان ملك يريد أن يصل إلى حريته وحرية شعبه، ومنذ أيام الغساسنة والمناذرة كانت الأقوام العربية أكثر من بترا، وفي كل وقت كانت تجد من الناس من يضع يده في يد الروماني أو غير الروماني المحتل، وفي كل ساعة يوجد المخلص الذي لا غاية له سوى وطنه، سوى بترا، وفي كل زمن تخرج بترا من ربقة المحتل عزيزة كريمة، لكنها سرعان ما تعود وكأنّ أبا رغال لم يخلق إلا ليكون من أبناء هذه الأمة وهذه الممالك!
أما نأخذ درساً من الرومان وأطماعهم؟!
من الطريق إلى النفط
ومن الموقع إلى الثروة
ومن التاريخ إلى الجغرافيا
رحلة ممتدة لبترا، و العرب يغطّون في البحث عن ثوب يليق بأبي رغال ليلبسه ويخرج في استقبال الرومان الذين يريدون أن ينقضوا على ما تبقى، وما تبقّى كثير لممالك ترى الملك كل شيء، ولملوك لا يجدون الحصن، ولناس لا يعنون الملوك في شيء!
بترا انتصرت، وجيشها العظيم هزم الرومان في ذاك الوقت البعيد، وها هو يرسل الرسل ليخبر بالنصر العظيم، ولم يبق أمام بترا وملكها سوى تجهيز الساحات للاحتفال واستقبال الجيش الذي حقق النصر، واستقبال الأمراء من المناطق لتحقيق اتفاقات ومصالحات..
يأتي الرسل إلى بترا وينكسر الإنسان
يقبل النصر وتهزم الأنا والعاطفة
ينتصر الفكر الجمعي وتنجمع الأمومة على ذاتها
لم يكن الفكر الجمعي عند السيدة فيروز معادلاً للعاطفة الأمومية
سكنتها لوعة الأم
وانتصرت صلابة الأم الملكة أم المملكة لا أم الطفلة
بترا كانت قضية مهمة في حياتنا، رسمت معالم مملكة مختلفة، مملكة الحلم فيها يتفوق على الذات والحكم.
صاغها الرحابنة كما يليق بالأوطان، فكانت بترا نشيداً أبدياً للحب والوطن والانتصار والجيش.. ويبقى الرومان يجولون بحثاً عن منفذ كان مع بدء الخليقة ويمتد من الاسكندرية إلى بيروت.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock