غرق السعودية في اليمن واستحقاقاته المقبلة

تحسين الحلبي

 

لا أحد يجب أن يشك في أن الإدارات الأميركية بقيت في حالة حرب على ساحة هذا العالم وانتشرت حروبها المباشرة وغير المباشرة في جميع القارات تقريباً، فقد جندت واشنطن السعودية بوهابيتها وبأموال نفطها منذ عام 1979 لدعم الحركة الأفغانية الإسلامية المتطرفة بالرجال والأموال لشن حرب ضد أعداء أميركا السوفييت من دون أن يكون للسعودية أي مصلحة لشعبها في حرب كهذه، ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف واشنطن عن توظيف هذا الدور السعودي لمصالحها وضد مصالح العرب والمسلمين، وظهر هذا الدور ضمن الإستراتيجية الأميركية لتسخير المجموعات الإرهابية المسلحة باسم الإسلام ضد جميع المناهضين والمنافسين للولايات المتحدة على ساحة الدول الكبرى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ضد روسيا والصين في مناطق المسلمين قبل أن تنتشر هذه المجموعات في العالم العربي بعد عام 2011، ولذلك يطلق بعض المحللين السياسيين الأميركيين على هذه المجموعات الإرهابية «الإسلامية» اسم «رجال الحرب الأميركية في الحرب الأميركية الثالثة».
فقد انتشرت هذه المجموعات في معظم الدول العربية حتى الآن مصر وسورية والعراق ولبنان وليبيا والجزائر وتونس واليمن ولم تظهر أي عمليات لها ضد إسرائيل أو بقية دول الخليج، وكانت القيادة السورية قد حذرت منذ بداية ظهور هذه المجموعات في سورية من انتشارها في الدول العربية الأخرى ودعت إلى تعاون عربي- إسلامي- إقليمي دولي لمقاومتها واستئصال وجودها، وكانت واشنطن تدرك هذه الحقيقة، لكنها تدرك أيضاً أن انتشارها حتى داخل السعودية سيحقق مصالحها، ولذلك بدأت وسائل الإعلام تشير إلى انتقال مجموعات لداعش والقاعدة إلى الرياض حتى بعد أن شنت حرباً على اليمن ضد المناهضين للهيمنة الأميركية أي بعد أن عززت حربها نشاط وقدرة منظمة القاعدة في اليمن على التحرك في شبه الجزيرة العربية بموجب قواعد التحكم الأميركية بمخطط نشر الإرهاب.
ويستنتج عدد من المختصين بشؤون المنطقة أن هذه الحرب السعودية- الأميركية ستطول وستتخذ أشكالاً ومظاهر وتطورات غير مسبوقة.
ولن يعود الوضع في شبه الجزيرة العربية إلى ما كان عليه قبل آذار 2015 لأن السعودية نفسها ليست هي التي تتحكم بقرار الحرب والسلم عبر البحر الأحمر ولا في الخليج. ويكشف الموقع الإلكتروني (تروث- ديغ) أن محللين في وزارة الدفاع الأميركية يعتبرون هذه الحرب فرصة مناسبة لزيادة مساحات أراضي بعض الدول الصغيرة مثل قطر والبحرين والكويت على حساب الأراضي السعودية إذا ما نجحت خطة تقسيم اليمن إلى ست دويلات صغيرة، ويرى (جيف كولغان) في صحيفة واشنطن بوست أن شعوب المنطقة قابلة للتجزئة إلى دويلات طائفية وقبلية كثيرة، وهو الحل الذي وضعته الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن لجميع الدول الكبيرة والمتوسطة في الشرق الأوسط وضرورة إعادة النظر بمساحاتها وعدد سكانها، وهذا ما بدأه بوش الابن في العراق حين توسعت صلاحية إقليم كردستان العراق في الشمال وكاد يصبح دولة مستقلة وهو نفس ما طرحته خطة دول الخليج والولايات المتحدة لتقسيم اليمن وهو ما رفضته ثورة أيلول 2014 الشعبية والمسلحة.
وتشير صحيفة واشنطن بوست إلى أن المناطق العربية الوحيدة التي لم تتطور ظروفها نحو الدولة الوطنية التي تنصهر كل القبائل والعشائر والطوائف فيها هي دول شبه الجزيرة العربية الملكية التي يحكمها أمراء، على حين أن اليمن هي الدولة الجمهورية الوطنية الوحيدة في المنطقة منذ عام 1962.
ويبدو أن كل ما يجري الآن من تدخل عسكري وسياسي أميركي في المنطقة وتفاعلاته في استهداف جميع الدول العربية لم يفرز بعد نتائجه الثابتة، فما زالت السعودية في تحالفها مع عدد من الدول العربية ضد اليمن تمشي فوق رمالها المتحركة سواء في شبه الجزيرة العربية أم في الجامعة العربية، وخصوصاً أن ملفات نزاعها مع قطر والإمارات وعمان حول الأراضي ومطالب كل واحدة منها في هذا الموضوع لم تغلقها الولايات المتحدة ولا هذه الإمارات الصغيرة.