سورية

شخصية الرئيس الأميركي المقبل ستحدد مسار علاقاتهما ومصير أزمة سورية … تسريب «رسائل الديمقراطي» تثير حواراً حاداً بين واشنطن وموسكو

| الوطن – وكالات

تصاعد التجاذب الروسي الأميركي بشأن دور مزعوم لروسيا في تسريب وثائق الحزب الديمقراطي على مسافة أشهر من انتخابات الرئاسة الأميركية. وبينما نفت أعلى المراجع الروسية ممارسة أي تأثير في العملية الانتخابية الدائرة في الولايات المتحدة، محذرةً من «جنون الارتياب» حيال روسيا الذي يسيطر على هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي إلى سباق الرئاسة الأميركية، دخل الرئيس باراك أوباما على خط الجدل المتصاعد حيث لم يستبعد احتمال أن يكون الروس وراء التسريب.
وقبل أيام، سرب موقع «ويكيلكيس» أكثر من 19 رسالة بريد إلكتروني لأعضاء من اللجنة الوطنية بالحزب الديمقراطي. ويُعتقد أن هذه التسريبات قادرة على الإضرار بالحزب الديمقراطي والحملة الانتخابية لمرشحته كلينتون. وهذا ما دفع الأخيرة إلى اتهام روسيا بالوقوف وراء التسريب، من أجل زيادة حظوظ منافسها، مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب. وفي تعليقه على اتهامات كلينتون لبلاده بتسريب رسائل الديمقراطي بغرض التأثير في حظوظها في انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها في تشرين الثاني المقبل، اعتبر المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف الصحفيين أمس أن الاتهامات إنما تعبر عن حالة «جنون الارتياب». ونقلت عنه وكالة أنباء «الأناضول» التركية قوله: «ما زلنا نشهد محاولة بعض الساسة الأميركيين، استخدام وسيلة التخويف من روسيا خلال الحملة الانتخابية»، ونبه إلى أن تلك المواقف «لن تنعكس بصورة إيجابية على العلاقات الثنائية بين البلدين». وفقاً لموقع «روسيا اليوم»، ذكّر بيسكوف بما أكده الرئيس الروسي «مراراَ» من «أن روسيا لم تتدخل أبداً، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إذ تتجنب موسكو بعناية أي خطوات أو تصريحات يمكن تفسيرها كتدخل مباشر أو غير مباشر في العملية الانتخابية»، في غمز من قناة واشنطن الخبيرة في التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى. وفي السياق ذاته، نفى المتحدث الروسي الأنباء التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام في وقت سابق، عن عقد لقاءٍ بين كارتر باج مستشار السياسات الخارجية لترامب، وسيرغي بوريسوفيتش السكرتير الخاص للرئيس الروسي.
ويستند الديمقراطيون في اتهاماتهم لروسيا إلى الغزل المتبادل بين ترامب والرئيس الروسي. ومن هنا برأيهم فإن بوتين يفضل فوز المرشح الجمهوري. ووصفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، إمكانية فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية بمنزلة الهدية للرئيس الروسي. وقالت أولبرايت في كلمتها بالمؤتمر العام للحزب الديمقراطي، أول أمس: إن «بوتين يريد أن يرى ترامب فائزاً».
ولم يعد الجدل محصوراً بالتصريحات المتبادلة بين الكرملين والديمقراطيين الأميركيين، حيث لم يستبعد أوباما تأثيراً روسياً محتملاً على السباق الانتخابي في الولايات المتحدة. وتجنب الرئيس الأميركي الإجابة بشكل مباشر عن سؤال عن احتمال أن تكون روسيا تقف وراء قضية تسريب رسائل الحزب الديمقراطي، قائلاً: «كل شيء ممكن… الخبراء الأميركيون يشتبهون في دور روسي في اختراق قواعد البيانات للحزب».
وأضاف أوباما: إنه لا يستطيع تحديد الدوافع من وراء تسريب رسائل الديمقراطيين، «ولكنني أعرف أن دونالد ترامب قال مراراً إنه معجب بفلاديمير بوتين».
وكان أوباما ولتعزيز إرثه الشخصي، وتحسين حظوظ مرشحة الحزب الديمقراطي في سباق الانتخابات الرئاسية قد قرر إطلاق حملة كبيرة في سورية والعراق على داعش بهدف إنهاء سيطرته على مدينة الموصل العراقية أو الرقة أو كلتيهما قبل نهاية العام الجاري. ولتحقيق هذا الهدف، عرض الرئيس الأميركي على نظيره الروسي التعاون الأمني لضرب جبهة النصرة (المنتشرة في إدلب وحلب واللاذقية)، وذلك لتحييد روسيا عن المعارك التي يعتزم التحالف الدولي فتحها في دير الزور والرقة شرقي البلاد. وعبرت وزارة الخارجية الروسية عن شكوك في إمكانية دحر داعش والنصرة في سورية والعراق قريباً.
ومن جانبه، سخر مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب من اتهامات الديمقراطيين بدور روسي لتسريب رسائل الديمقراطيين، وقال: إن «الديمقراطيين قالوا إن روسيا قد تتعامل مع ترامب. إنه ضرب من الجنون».
وستحدد شخصية الفائز بالانتخابات اتجاه العلاقات الروسية الأميركية لسنوات، بل حتى مصير الحرب السورية. وعلى الأرجح أن موسكو تفضل رئيساً لم يتورط في المغامرات الأميركية لنشر الديمقراطية تحت مسميات الفوضى الخلاقة والثورات الملونة، كما هي الحال مع كلينتون، التي يمكن تسميتها زعيمة «الربيع العربي»، وراعية التيارات الإسلامية في المنطقة. وإذا ما فاز ترامب فمن شبه المؤكد أن يبتعد عن سياسة دعم الإسلاميين المعتدلين، ويوافق على تعزيز التعاون الروسي الأميركي في مواجهة التنظيمات الإرهابية كافة. ولم يعترض ترامب خلال حملته الانتخابية على تعاون أميركي عسكري مع موسكو. وهو المرشح الوافد من خارج «المؤسسة الأميركية» (الاستبليشمنت) المعادي في المقابل للمتطرفين واللاجئين (بل كل المسلمين)، لا يحمل أي ضغائن أو شوائب من الماضي تجاه موسكو، تمنعه من رؤية روسيا شريكاً حقيقياً في مكافحة الإرهاب الدولي، وبالأخص تنظيم داعش. وسيكون على ترامب تجاوز الأفخاخ والعقبات التي سيضعها «البنتاغون» والحلفاء الأوروبيون والإقليميون في طريقه للتعاون مع الروس، فضلاً عن اللغم الأوكراني الذي سمم العلاقات الأميركية الروسية والأجواء في أوروبا.
أما إذا فازت كلينتون في الانتخابات الرئاسية، فعلى الأرجح ألا تنسى اتهاماتها لموسكو، ما سيؤدي إلى توتر أميركي روسي، يضاف إلى خلافاتهما حول سورية وأوكرانيا وتوسيع حلف شمال الأطلسي ودوره في البحر الأسود وشرق أوروبا، وتداعيات الربيع العربي الإستراتيجية وما خلفه من فوضى شاملة. وقادت كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية في إدارة أوباما الأولى (2009 – 2012) الجهود لعزل دمشق وإطلاق مرحلة انتقالية في سورية، ودعت إلى تسليح المعارضين ودعمت خيار المناطق الآمنة والعازلة والحظر الجوي ولا تزال تنادي بهما. وبهذه العقلية ستتصاعد أيضاً الخلافات الروسية الأميركية بشأن سورية بكل تأكيد إذا ما استقرت كلينتون في البيت الأبيض.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن