قضايا وآراء

مشهدية الميدان.. وسلم الأولويات

مأمون الحسيني : 

 

لا يمكن النظر إلى، تطورات جبهة الجنوب أو الحديث عنها، وبالأخص على تخوم محافظة السويداء التي تتعرض لضغوط عسكرية وسياسية وإعلامية شرسة، بمعزل عن اللوحة الكبرى للمشهد السوري الذي شهد في الآونة الأخيرة، وعشية توقيع الاتفاق النووي الإيراني، وترجمة نتائج الانتخابات التشريعية التركية، اندفاعة غير مسبوقة في الهجمات الإرهابية ذات الحشد البشري الكبير والتسليح النوعي المتطور، والمخطط لها استخبارياً وعسكرياً من غرف العمليات المشتركة في كل من تركيا والأردن، أدت إلى سيطرة الإرهابيين على جسر الشغور وأريحا في محافظة إدلب الشمالية، وعلى كل من تدمر والسخنة في وسط البلاد، ومقر «اللواء 52» في الجنوب.
وإذا كنا لا نقلل من خطورة هذه التطورات الميدانية الصادمة والمؤلمة التي دفعت جبهة أعداء سورية إلى اعتبار ما حدث مؤشراً مهماً على اقتراب ما يسمونه «ساعة الصفر» لإسقاط النظام وتمزيق الدولة السورية، فإن ثمة ضرورة لإضاءة بقية جوانب الصورة الكلية التي تتيح وضع الأمور في نصابها الحقيقي، بعيداً عن بحر التضليل والتهويل والتخويف الذي تعمل كتائب السياسة والإعلام الإقليمية والدولية على إغراق الجميع فيه. وفي هذا السياق، يمكن توضيح الواقع العملاني التالي: إن الحرب المستمرة في سورية منذ سنوات، والتي تكاد تلخص الصراع على شكل وطبيعة النظام العالمي الجديد ورسم الحدود بين دول الإقليم، أعقد بكثير مما يجري تصويره؛ وإن التكتيك الذي يلجأ إليه الجيش العربي السوري الذي ما زال يسيطر على المساحة الأكبر من البلاد والمدن الإستراتيجية المتواصلة جغرافيا، والتي تضم نحو ثلاثة أرباع مواطني الدولة، يتوكأ على السياق الإستراتيجي الذي يفيد، وفق المرئي، بأن ثمة منهجية ثابتة وطويلة الأمد قوامها اعتماد سلم أولويات لتحديد المعارك الملحة التي تلامس «الخطوط الحمر»، والأخرى المؤجلة التي تتمتع بها فصائل الإرهاب بخطوط إمداد مفتوحة يمكن أن تقود إلى عملية استنزاف طويلة المدى؛ إن مناطق سيطرة الإرهابيين المقطعة الأوصال معرضة، ولأسباب مختلفة ومتنوعة، للتغيّر في مرحلة لاحقة على غرار ما حدث، في العديد من المناطق السورية الحيوية، خلال السنوات الماضية.
فضلا عن ذلك، وفي مقابل هذا التصعيد الإرهابي الذي شكل منصة لشن حرب نفسية على السوريين، رغم أن ما كشف من معلومات مؤخراً يؤكد أن المدافعين عن مقر اللواء 52 الذي هاجمته 55 مجموعة إرهابية، لا يتجاوز 300 جندي، كان ثمة إنجازات بارزة للجيش العربي السوري الذي يتبع سياسة تقطيع أوصال مناطق سيطرة منظمات الإرهاب، ولاسيما في منطقة جنوب الحسكة، وفي مطار الثعلة العسكري وكامل محيطه غرب مدينة السويداء، وفي جرود القلمون التي تتمتع بأهمية إستراتيجية تفوق بكثير مناطق الشمال والجنوب المفتوحة على الحدود التركية والأردنية، والتي تتطلب حسم معاركها صياغة تسويات إقليمية ودولية تفضي إلى إغلاق الحدود وقطع خطوط إمدادها، حيث سيشكل تطهير الجرود بالكامل منعطفاً استراتيجياً في الحرب التي تشن على سورية، لكونه سيشرع الأبواب أمام إعادة رسم لوحة جديدة للمعارك في معظم أنحاء الجغرافيا السورية.
في قلب هذا المشهد المعرض للمزيد من التعقيدات الميدانية والسياسية والإعلامية، وفي مواجهة الحرب الميدانية والنفسية التي يقودها الإسرائيليون وغرفة عمليات «موك» في عمان ضد أبناء الجنوب السوري، وبشكل أخص ضد أبناء محافظة السويداء على أسس طائفية ومذهبية، لا بد من التذكير بأن أهل جبل العرب الذين فجروا الثورة السورية الكبرى في العام 1925، وقدموا آلاف الشهداء في الدفاع عن الوطن منذ العام 2011، يرفضون رفضاً قاطعاً إسباغ أي مذهبية عليهم، وهم كانوا وما زالوا يشكلون رأس الرمح السوري والعربي في مواجهة الأعداء الإسرائيليين ووحوش الإرهاب والتكفير الذين قدموا الدليل تلو الدليل على أنهم مجرد أدوات قتل واستئصال لا تفرق بين ضحية وأخرى.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock