أستانا محطة اختبار «أردوغان»

| بيروت – محمد عبيد 

كَثُرت التحليلات والتأويلات بعد الهزيمة التي مُنَيَ بها محور الإرهاب في حلب حول العلاقات الروسية- الإيرانية من جهة والروسية- التركية من جهة أخرى وتأثير ذلك على مفاوضات أستانا المنتظرة. وأخذت بعض الدوائر الدبلوماسية تُسَرب محاضر اتفاقات بين موسكو وأنقرة تتناول رؤية أولية مشتركة لحل الأزمة في سورية والأهم دور الجانب التركي سياسياً وميدانياً في صياغة ومراقبة وتثبيت هذا الحل. ويبدو الأكثر أهمية هو مراهنة بعض تلك الدوائر وبالأخص منها الخليجية على إمكانية ابتعاد موسكو عن طهران نتيجة لمسار مفاوضات أستانا واقترابها من أنقرة.
لاشك أن انتصار حلب قلب كل موازين المعركة ضد الإرهاب وداعميه بالأخص منهم الثلاثي التركي- السعودي- القطري لمصلحة محور المقاومة وحليفه الدولي روسيا، لكن الأبرز أن هذا الانتصار أوجد شرخاً حقيقياً بين أطراف الثلاثي المذكور بسبب انفراد رئيس النظام التركي أردوغان وحده بالتحاور مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محاولاً تقديم نفسه مرجعاً حصرياً لبعض الفصائل المسلحة «المعارضة» والذهاب بعيداً في هذا الحوار إلى حدود التفاوض لإنجاز تسوية سياسية للأزمة في سورية يكون هو ونظامه طرفاً أساسياً في قطف ثمارها والاستفادة من نتائجها.
والأسوأ للطرفين الآخرين السعودي والقطري أن أردوغان بعدما استنزفهما مالياً ولوجستياً ثمناً لمرور مرتزقة الإرهاب المتنقل الذين استقدموهم من جميع أصقاع الأرض عبر موانئه الجوية والبحرية والحدودية إلى الأراضي السورية، تخلى فجأة عنهما وعن هؤلاء المرتزقة بل سعى إلى الفصل بينهم وبين الفصائل المذكورة آنفاً والأكثر سوءاً هو ما تعهد به في مسودات الاتفاقات المفترضة بينه وبين الجانب الروسي حول ضرورة تثبيت هذا الفصل ليس عقائدياً وسياسياً فحسب إنما جغرافي أيضاً، إضافة إلى تحميله مسؤولية تعاون قيادته العسكرية والاستخباراتية والفصائل التي يرعاها مع القيادة العسكرية الروسية للاستعلام عن المجموعات الإرهابية كتنظيم داعش وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام) وتوابعهما وتحديد أماكن انتشارها والمساعدة في ضربها، والمعلوم أن هذه المجموعات وتوابعها مرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بالثنائي السعودي-القطري!
انطلاقاً من ذلك، لا محل للاستغراب حول الأسباب والدوافع السياسية التي تحرك بعض امتدادات هذه المجموعات الإرهابية في الداخل التركي التي قامت بتنفيذ أكثر من 33 عملية تفجير وقتل منذ أواخر العام 2015 وحتى الأمس القريب، كما لا داعي للبحث عن المحرض الذي يقف وراء هذه العمليات، ولعل التصريح الأخير لأردوغان خلال اليومين الماضيين حول إخفاق الذين اغتالوا السفير الروسي في تركيا في تحقيق هدفهم تخريب العلاقات المستجدة بين موسكو وأنقرة يعتبر أبرز دليل على ذلك.
إذاً، الشرخ الحقيقي وقع بين أطراف ثلاثي الإرهاب وليس بين أركان محور المقاومة وحليفهم الإستراتيجي روسيا. وما المحاولات الجارية لتظهير انقسام مزعوم بين هؤلاء الأركان والحليف سوى حملة سياسية-إعلامية لتقويض انتصار حلب وانعكاساته النفسية والمعنوية والسياسية والعسكرية وخصوصاً الاجتماعية على المزاج الشعبي السوري.
قد تكون المفاوضات الموعودة في عاصمة كازاخستان محطة في مسار المفاوضات السورية- السورية علها تنجح في تحييد بعض الفصائل التي وقعت على كتاب رغبتها في الوصول إلى حل سلمي للأزمة، لكن تبقى أخبار المحطة التالية بعد حلب في مسيرة القضاء على المجموعات الإرهابية مدار التساؤلات المتأرجحة بين إدلب أو ريف حماة أو الباب أو دير الزور أو الرقة أو الجنوب السوري، وهي تساؤلات تُسقِطُ المقولة التي تم الترويج لها وتداولها بأن النظام السياسي في سورية وحلفاءه اكتفوا أو سيكتفون بـ«سورية المفيدة».
يجهد أردوغان لتكريس تموضع تركيا الجديد المبني على تفاهمات ثنائية مع روسيا وتباعاً مع إيران، إلا أن الاختبار الأعمق لالتزامه بمندرجات هذا التموضع يكمن في تنفيذه لمتطلبات الاتفاق المبدئي مع الطرفين المذكورين الذي جرى في موسكو حول مفاوضات أستانا، وهو اختبار سيحدد مدى قدرته الفعلية على تأمين عوامل إنجاحه حيث فشلت واشنطن سابقاً في إنجاح مفاوضات مماثلة بسبب عجزها عن الفصل بين الإرهابيين وما يسمى «المعارضة المعتدلة المسلحة»!