بعض ما توحي به موائد «جنيف»

| صياح عزام 

في ضوء ما يحدث في الشمال السوري، بات من الواضح، أن الميدان هو الذي يقرر مصير وحدة الأراضي السورية، فالمفاوضات سواء كانت في «جنيف أم في أستانا» تسير- كما هو مُلاحظ- بشكلٍ بطيء، لدرجة أنها أصبحت كلما طال أمدها قلّ حصادها حتى الآن، بينما الجيش السوري وحلفاؤه يتحركون ويتقدمون في أكثر من جبهة ولاسيما في الشمال السوري.. هذا هو عنوان المشهد للأحداث في سورية حالياً وعلى المدى المنظور.
لا شك أن من أسباب التباطؤ في المفاوضات، أن ما تُسمى المعارضة المسلحة من فصائل إرهابية هي على خلاف دائم، وتشتبك مع بعضها بين الحين والآخر، وغالباً ما يكون ذلك على المكاسب.
أما معارضة الرياض، فهي تتمسك حتى الآن بأنها المفاوض الوحيد والرئيسي، وترفض تشكيل وفد سوري واحد، لأنها تعمل بتوجيهات السعودية وقطر، كما أنها لا تكنّ الود لمنصتي القاهرة وموسكو، لأنهما لا تقاسمانها الأهداف والرغبات المشبوهة.
أيضاً: موقف وفد معارضة الرياض مطلوب منه تمثُّل موقف السعودية وقطر، وخاصة ما يتعلق بالتمسك برفض إدراج مسألة مكافحة الإرهاب بالتوازي مع المسائل الأخرى لأن ما يهمّ الرياض ليس إنقاذ سورية، بل أن يكون لها أزلام في أي سلطة سورية مقبلة ولهذا تُصرّ معارضة الرياض على إعطاء أولوية لما يسمونه هيئة حكم انتقالية في عملية التفاوض، والسبب في إلحاحها على ذلك الخوف من الانتصارات التي يحققها الجيش السوري وحلفاؤه، وتحرير المزيد من الأراضي من سيطرة الإرهابيين.
لذلك، كل هذه الوقائع والذرائع تجعل الميدان لا المفاوضات العامل الأول والحاسم في المشهد ولاسيما بعد تمكّن الجيش السوري من تحرير مدينة حلب ومحيطها، وقسم كبير من ريفها الشمالي، ووصوله إلى مشارف مدينة الباب، حتى إن تحرير مدينة الباب كان قاب قوسين أو أدنى لولا مسرحية انسحاب داعش منها بالاتفاق مع أردوغان وتسليمها لما يسمى «قوات درع الفرات» المطعّمة بقوات تركية وبقايا من الجيش الحر… شيء آخر مهم، وهو أن إدارة «ترامب» زوّدت الأكراد بدبابات وأسلحة أخرى ثقيلة ما يحول دون تمكن جيش أردوغان من دحر الأكراد في الشمال الشرقي من سورية، في الوقت نفسه، جاء هذا الأمر مع تقدم الجيش السوري شرقاً من جنوب الباب وسيطرته على المنطقة الممتدة من جنوبها إلى مشارف «منبج»، قاطعاً بذلك الطريق على إمكانية مشاركة تركيا في معركة تحرير الرقة، كما أن الجيش السوري حرر تدمر ومحيطها، وصار بوسعه التقدم شمالاً نحو دير الزور.
وهكذا انحسرت أحلام أردوغان بإقامة منطقة آمنة في شمال سورية، أيضاً، وتلقّت تركيا صفعة جديدة عندما سلم ما يُسمى «المجلس العسكري لمنبج» قرى وبلدات الغلاف في منبج للجيش السوري، بناء على اتفاق مع الدولة السورية أشرف عليه مركز «حميميم» الروسي، الأمر الذي جعل من العمل العسكري في هذه المنطقة أكثر صعوبة، وسّهل عمليات الجيش السوري لدخول مناطق جديدة بقتال، أو من دون قتال، حتى إنه يُمهد لإمكانية وصوله إلى الحدود التركية- السورية.
هذا ونظراً لعدم استجابة واشنطن لاقتراحات وخطط أردوغان تجاه تحرير الرقة، عمد كعادته إلى الاستدارة نحو موسكو من جديد، والتلويح بالتعاون معها في معركة الرقة، إلا أن ألاعيبه فقدت برقيها وتأثيرها عند أصدقائه وخصومه لفرط تفاهتها، وما أزعج أردوغان أكثر، الضربات الأميركية لمواقع جبهة النصرة الإرهابية في محافظة إدلب.
على أيّ حال يمكن القول إن مسار جنيف بات مُعلقاً- وكما لم يحدث من قبل- على مسار أستانا، حيث في استانا مركز الثقل، ففيها تلتقي القوى والجماعات الفاعلة على الأرض، ويتضاءل دور المعارضات المُفبركة ورعاتها.
صفوة القول: لم يكن أحد ينتظر من جنيف4 الكثير، لأنه انعقد في مرحلة انتقال بين إدارتين أميركيتين، وقبل أن يستكمل «ترامب» تشكيل طاقم إدارته ورسم سياساتها، وبالتالي، «فجنيف القادم» يمكن أن يرسم ملامح الحل النهائي في سورية، وبين هذا وذاك تبقى الكلمة الفصل للميدان، علماً أن مصادر موثوقة أكدت أن الأميركيين مندهشون لسرعة تقدم الجيش السوري وحلفائه، ومهنيتهم العالية عسكرياً، وخططهم الفعالة، حيث وصفوا طوق «تدمر وتادف» على الرقة بمعادلة دخول عملية إلى معركة الرقة من جانب الجيش السوري، لم يعد ممكناً تفاديه خلالها كشريك، وكيف أن هذا الجيش الذي يقاتل على عشرات الجبهات المنتشرة منذ سنوات على الجغرافيا السورية، لا يزال يملك هذه الكفاءات والقدرات الحيوية والتمكن من وضع الخطط المرتبطة برؤى استراتيجية، وليست مجرّد محاكاة انفعالية لواقع الميدان دفاعاً وهجوماً.