دمشق تكرم «صوت الجبل» … أنطوان وديع الصافي: التفجيرات الإرهابية لن تفجر فينا إلا حباً لسورية .. إلى أبطال الجيش العربي السوري «شرفت البطولة يا جيش الوطن»

| وائل العدس

في آخر حياته، احتضنت سورية الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي، فتلقى العلاج في أرقى مشافي سورية بمكرمة من السيد الرئيس بشار الأسد الذي استقبله أيضاً بعد شفائه.
«صوت الجبل» الذي صرح قبيل رحيله: «بشار الأسد لو طلب عيوني لأعطيته إياها» كان مكرماً مساء أمس الأول في دار الأسد للثقافة والفنون برعاية وزارة الثقافة، وهو الذي قال مع بداية الأزمة السورية: «صلوا لبشار الأسد».
اليوم، ترد سورية الوفاء بالوفاء وهي التي اعتادت تقدير الفنان اللبناني وتكريمه خلال حياته وبعد مماته، فعادت لتستذكر روح «قديس الطرب» بحفل كبير يليق بتاريخه العريق.

من أجمل ما غنى
افتتح الحفل بعرض أغنية عبر الشاشة الكبيرة غناها الراحل قبيل وفاته لسورية ورئيسها بشار الأسد بعنوان «إلاك لا أمل» من كلمات وليم حسواني، وألحان أنطوان الصافي.
وصدحت جوقة «مار أفرام السريانية» بقيادة المايسترو شادي سروة بأجمل ما غنى الراحل وهي «طلوا حبابنا»، و«جينا الدار»، و«رمشة عينك»، و«عاللوما اللوما»، و«بالساحة تلاقينا»، و«قتلوني العيون السود»، و«خضرا يا بلادي»، و«سيجنا لبنان»، إضافة إلى أغنية سريانية غناها الراحل بعنوان «كرشلا إيدي».
بعدها أكمل أنطوان وديع الصافي الحفل مع الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو نزيه أسعد بأغنيات له ولوالده تخص سورية وجيشها وقائدها إضافة إلى الأغنيات الشهيرة، فغنى «مبارك نصرك يا أسد»، و«حامي عرينك يا أسد»، و«سورية اللـه حاميها»، و«بالمجد معمرها»، و«صرخة بطل»، و«أرضي عم تآسي»، و«جبلنا»، و«نسيم الشوق»، و«بلدي»، و«يا عيني عالصبر»، و«عندك بحرية»، و«الله معك يا بيت».
تخلل الحفل تقديم دروع التكريم من وزارة الثقافة قدمها معاون وزير الثقافة علي المبيض للدكتور أنطوان الصافي وللمدير العام لمؤسسة الصافي للإنتاج والتسويق الفني في سورية بسام العيلان، ليقدم بدوره أنطوان درعين لوزارة الثقافة ولدار الأسد للثقافة والفنون.
قلب العروبة

وعبّر أنطوان عن محبته لسورية، مؤكداً أنها قلب العروبة النابض رغم المحن، موجهاً تحياته الأولى والأخيرة إلى الجيش العربي السوري، ومؤكداً أن لبنان يقف مع سورية في السراء والضراء.. ومشدداً على أن سورية معروفة دوماً بتكريم المبدعين وتلعب دوراً مهماً على المستويات كافة رغم الحرب. وقال: إن شاء اللـه فستزول الغيمة السوداء عن سماء سورية وسنحتفل بالنصر معاً، مضيفاً: إن التفجيرات الإرهابية التي ضربت دمشق لن تفجر فينا إلا حباً لسورية.
أنطوان وديع الصافي الذي يحمل دكتوراه بالموسيقا، هو الابن الثاني للفنان الراحل، رافق والده أكثر من أربعين عاماً عازف أورغ وقائد الفرقة الموسيقية، له الكثير من الألحان والأغاني الوطنية التي غناها والده أبرزها «وطن السلام»، و«إلاك لا أمل»، و«بدنا القمة بدنا الهمة».
لحن وغنى «سورية اللـه حاميها»، و«مبارك نصرك يا أسد»، معبراً عن حبه لسورية، ويحضر حالياً عملاً وطنياً متميزاً مهدى إلى أبطال الجيش العربي السوري ضمن أوبريت «شرفت البطولة يا جيش الوطن» من كلمات ميشيل جحا ويرافقه غناءً الفنانة الكبيرة نجاح سلام والموسيقار إيلي شويري.

مدرسة غنائية
كان لوديع الصافي الدور الرائد بترسيخ قواعد الغناء اللبناني وفنه، وفي نشر الأغنية اللبنانية في أكثر من بلد، وأصبح مدرسة في الغناء والتلحين، ليس في بلده فقط، بل في العالم العربي أيضاً، واقترن اسمه بلبنان، وبجباله التي لم يقارعها سوى صوته الذي صور شموخها وعنفوانها، هذا الصوت الماسي العصي على الفناء.
وغنى أكثر من خمسة آلاف أغنية وقصيدة لحن معظمها ومنها أغنية «طل الصباح وزقزق العصفور»، التي كانت أولى أغانيه عندما هاجر لمدة ثلاث سنوات إلى البرازيل في عام 1947، وعندما عاد كرت سبحة الأغاني فكان أبرزها «لبنان يا قطعة سما» و«صرخة بطل» و«الليل يا ليلى يعاتبني» و«شاب الهوى وشبنا» و«مريت ع الدار»، و«لوين يا مروان» و«عصفورة النهرين» و«الله يرضى عليك يا ابني» و«الله معك يا بيت صامد بالجنوب» و«موال يا مهاجرين ارجعوا».
كما غنى «طلوا أحبابنا» من ألحان الأخوين رحباني ومع فيروز ونصري شمس الدين غنى «سهرة حب» و«يا شقيق الروح» و«عندك بحرية» من ألحان محمد عبد الوهاب» و«على اللـه تعود على الله» من ألحان فريد الأطرش.

سيرة حياته
ولد وديع فرنسيس، المعروف بوديع الصافي، في الأول من تشرين الثاني 1921 في قرية «نيحا الشوف»، وهو الابن الثاني في ترتيب العائلة المكونة من ثمانية أولاد، كان والده بشارة يوسف جبرائيل فرنسيس، رقيباً في الدرك اللبناني.
عاش وديع طفولة متواضعة يغلب عليها طابع الفقر والحرمان، وفي عام 1930، نزحت عائلته إلى بيروت، ودخل مدرسة دير المخلص الكاثوليكية، وبعدها بثلاث سنوات، اضطر للتوقف عن الدراسة، لأن جو الموسيقا هو الذي كان يطغى على حياته من جهة، ولكي يساعد والده من جهة أخرى في إعالة العائلة.
بدأت مسيرته الفنية بشق طريق للأغنية اللبنانية التي كانت ترتسم ملامحها مع بعض المحاولات الخجولة قبل الصافي عن طريق إبراز هويتها وتركيزها على مواضيع لبنانية وحياتية ومعيشية.
في عام 1938، وبينما كان وديع في عمر الـ17، دخل عليه شقيقه توفيق يحمل قصاصة ورق عن إعلان لمسابقة غنائية تنظمها إذاعة لبنان الرسمية، والمعروفة حينذاك بإذاعة «الشرق الأدنى»، فشارك في المسابقة ونال الجائزة الأولى في الغناء من بين 40 متبارياً، ولشدة إعجاب لجنة التحكيم بصوته، وفي مقدمهم رئيسها إميل خياط، طلبت منه الانتساب رسمياً إلى الإذاعة، وأطلقت عليه اسم وديع الصافي، بدلاً من وديع فرنسيس.
استطاع الصافي، في فترة قصيرة، إبراز موهبته على أفضل وجه، وكانت أول أغنية فردية له بعنوان «يا مرسال النغم».
أثناء فترة انتسابه للإذاعة، اضطر الصافي إلى أن يحل مكان أحد الشيوخ ليؤذن لصلاة العصر، انهالت بعدها الاتصالات والرسائل على الإذاعة لتسأل من هذا الشيخ صاحب هذا الصوت الشجي.
في أواخر الخمسينيات بدأ العمل المشترك بين العديد من الموسيقيين من أجل نهضة الأغنية اللبنانية انطلاقاً من أصولها الفولكلورية من خلال مهرجانات بعلبك التي جمعت وديع الصافي وفيلمون وهبي والأخوين رحباني وزكي ناصيف وغيرهم فشارك في مسرحيات العرس في القرية وموسم العز وشكل ثنائياً غنائياً ناجحاً مع المطربة صباح في العديد من الأغاني والاسكتشات.
أراد وديع أن يثبت خطواته الفنية أكثر فأكثر، فحاول ذلك جاهداً أوائل الستينيات، عندما عرض عليه نقولا بدران، والد المطربة ألكسندرا بدران، المعروفة باسم «نور الهدى» في مصر، السفر إلى عنده.
مكث الصافي في القاهرة نحو عام، تعرف خلاله على ملحنين وممثلين مصريين، ليعود إلى لبنان ويتبناه هذه المرة محمد سلمان، زوج المطربة نجاح سلام، وشارك معها في أكثر من فيلم سينمائي، منها «غزل البنات»، ومن ثم مع صباح في «موّال»، و«نار الشوق» عام 1973.
مع بداية الحرب اللبنانية، غادر وديع لبنان إلى مصر سنة 1976، ومن ثمّ إلى بريطانيا، ليستقرّ سنة 1978 في باريس.. وكان سفره اعتراضاً على الحرب الدائرة في لبنان، مدافعاً بصوته عن لبنان الفن والثقافة والحضارة.
سنة 1990، خضع لعملية قلب مفتوح، ولكنه استمر بعدها في عطائه الفني بالتلحين والغناء.. فعلى أبواب الثمانين من عمره، لبّى الصافي رغبة المنتج اللبناني ميشال الفترياديس، لإحياء حفلات غنائية في لبنان وخارجه، مع المغني خوسيه فرنانديز، وكذلك المطربة حنين، فحصد نجاحاً منقطع النظير، أعاد وهج الشهرة إلى مشواره الطويل. يحمل الصافي ثلاث جنسيات المصرية والفرنسية والبرازيلية إلى جانب جنسيته اللبنانية إلا أنه يفتخر بلبنانيته ويردد أن الأيام علمته بأن «ما أعز من الولد إلا البلد».

عشق سورية
«إنه عربون محبّتي الخالصة، وترجمة لإيماني وامتناني لدولة سورية الحبيبة قائداً وشعباً… هذا البلد الذي كان ولا يزال سبّاقاً في تقدير وديع الصافي». بهذه الكلمات أطلق الفنان الراحل من دمشق أغنيتين جديدتين، هما «وطن السلام» و«إلاك لا أمل» عام 2008.
وقال: إن العملين اللذين غنيتهما وعرضهما التلفزيون السوري يعتبران بمنزلة امتنان لسورية التي لها فضل بارز في مسيرتي الفنية منذ الخمسينيات حتى اليوم، وتحديداً منذ أغنية «عاللوما» التي سجلها في الإذاعة السورية.
ورداً على سؤال عن وضعه الصحي بعد الوعكة التي ألمّت به أخيراً، واستدعت نقله إلى المستشفى، حيث كان يشارك ضمن احتفالات دمشق عاصمة الثقافة العربية، قال: «صحتي جيدة الآن، لقد تحسنت هنا في سورية، وأشكر الرئيس بشار الأسد الذي اهتم بي عندما دخلت المستشفى».
وبعد اندلاع الأزمة في سورية، وعند زيارة قام بها إلى دمشق عام 2012، أكد أن «سورية أم العروبة والمرجع الأول والأخير لها وهي ضمير العرب وشرفهم».
وقال: «انتماؤنا لهذا البلد العريق كانتمائنا للبنان، فلا فرق بين البلدين وما تتعرض له سورية اليوم هو بفعل الصهيونية العالمية لكنها غيمة سوداء ستزول إن شاء الله، فأنا مؤمن بالشعب السوري وقدرته على تجاوز هذه المرحلة».
وتابع: «أحيي سورية قيادة وشعباً وأتمنى أن تخرج من محنتها سريعاً فالسوريون هم حماة الأرض والعرض وحماة الأمة العربية، وسورية هي دم العرب وشرفهم وبدايتي الفنية كانت منها ولولاها فلن تبقى الأمة العربية بخير».
وخلال زيارته الأخيرة إلى دمشق عام 2012، أقامت جوقة الفرح حفل تكريم له لمناسبة بلوغه التاسعة والثمانين في دار الأوبرا السورية مؤدية مجموعة من أغنياته وألحانه، على حين أنشد المطرب أغنيتين بصوته.
وتوجه الفنان اللبناني إلى الجمهور بالقول: «أهلاً بالشعب السوري زهرة العرب.. أهلاً بأهلي رئيساً وشعباً»، وأضاف: «هذا أعظم عيد بحياتي».
ومن أغنيات الصافي لسورية أيضاً أغنية «حبيبة عمري سلاماً ويقول فيها: «وجن الهوى يا شآم، وما يفعل المستهام، عرفت غرامك طفلاً‏، ولا لن يشيب الغرام». ‏